السيد نصر الدين السيد يكتب | السياسي والأكاديمي: الحوار المفتَقد والحل المنتَظر

0 390

تشكل عبارات من قبيل “العلم في الراس مش في الكراس”، “ده كلام كتب”، “انسوا اللي إتعلمتوه في الجامعة” عينة مما قد يسمعه حديثو التخرج وهم في بداية حياتهم العملية ويحاولون تأسيس آرائهم أو أفعالهم على ما تعلموه أثناء سني دراستهم الجامعية.

يعتبر شيوع استخدام مثل هذه العبارات عرضًا من أعراض مرض أصاب الذهنية المصرية وازدادت حدته في العقود الأخيرة. وهذا المرض هو مرض “الفصل بين الفعل والعلم” ومن ثم هوان شأن الدور الذي تلعبه “المعرفة العلمية”، بكل ما تتضمنه من حقائق ومفاهيم تم إنتاجها والتحقق من صحتها عبر مناهج بحثية دقيقة، في توجيه وتشكيل سلوكيات وأفعال مكونات المجتمع المصري أفرادا كانوا أو مؤسسات. فكم منا، كأفراد، يهتم بقراءة دليل تشغيل ما يقتنيه من أجهزة إلكترونية قبل استخدامها؟ وما هو مدى استفادة واضعوا استراتيجيات الإعلام المصري من الدراسات الأكاديمية التي ترصد وتحلل التغيرات التي حدثت في قيم الإنسان المصري؟ ومما ساعد على انتشار هذا المرض واستشراءه تلك الهجمة الشرسة التي يتعرض لها العقل المصري منذ عقود وتدفع به دفعًا إلى منطقة تسود فيها “الخرافة” بشتى اشكالها، ويحكمها “التفكير اللا علمي”. لذا لم يعد مستغربًا أو مستهجنًا أن تشيع في المجتمع دعاوى التداوي بالأعشاب أو ببول الإبل وغيرها من الخرافات.
وجه الخطورة في شيوع هذا المرض هو أن رفاهية ومكانة المجتمعات المتقدمة، التي يطلق عليها “مجتمعات المعرفة” Knowledge Societies، تقوم على أمرين. أولهما هو قدرة المجتمع على إنتاج معرفة علمية وثانيهما هو قدرته على توظيف واستخدام هذه المعرفة في تحسين أحوال أفراده. ولا يقتصر استخدام المعرفة العلمية على مجرد إنتاج سلع مصنعة تلبى حاجات أفراد المجتمع بل يتسع ليشمل الاستعانة بها في رفع كفاءة الخدمات المقدمة لهم وفى دعم عمليات اتخاذ القرار على كل المستويات. كما تقوم اقتصاديات تلك المجتمعات في المقام الأول على “الصناعات المرتكزة على العلم”، كصناعات الدواء والالكترونيات، كمصدر للقيمة وكوسيلة لتحقيق مزايا تنافسي تنعكس آثارها على اقتصاد المجتمع ككل.
يصل الأمر إلى حد الكارثة إن تفشى هذا المرض بين أهل السياسة وصُناع السياسات. فالسياسة هي “خطة عمل هادفة معدة بعناية لتحقيق نتائج محددة وذلك عبر ترشيد القرارات فهي تتكون من مجموعة من القرارات هذا بالإضافة مجموعة من الاجراءات او الافعال”. والسياسي هو المسئول عن رسم السياسات وعن متابعة تنفيذها. وهو بالضرورة شخص يجيد التحدث للجماهير فلغة خطابه بسيطة تلونها العواطف الجياشة التي تدغدغ مشاعر السامعين. إلا أنها أيضًا تحتوي على الكثير من العبارات “المبهمة” Vague والعبارات “الملتبسة” Ambiguous. والعبارات “المبهمة” هي تلك التي لا يوجد معنى محدد أو قطعي لها مثل “تجديد الخطاب الديني” و”الدين هو الحل” فهي عبارات فضاضة ومطاطية لا ترتكز على أي تعريف علمي دقيق ومحدد. اما العبارات “الملتبسة” فهي تلك التي تتعدد معانيها ويغيب معيار واضح لاختيار أحدها ومن أبرز أمثلة هذه الكلمات كلمات “المقاومة” و”الجهاد”. وهكذا يصبح ابهام العبارات والتباسها من ادوات المراوغة التي يستخدمها الساسة للتنصل من وعودهم للجماهير
لا يهتم السياسي بصدق أو دقة مضمون خطابه فهمه الرئيسي هو جذب الجماهير. لذا نراه يمارس “الانتقائية” فيختار من المتوفر من البيانات والأبحاث ما يؤيد وجهة نظره فقط. في المقابل نرى الأكاديميين، من أهل العلم وأصحاب النظريات، وهم يستخدمون في خطابهم لغة منضبطة تتجنب الابهام والالتباس ولكن يأتي هذا على حساب شعبيتها. وهي أيضا لغة باردة لا مكان فيها للعواطف الشخصية او للأحكام القيمية (من قيمة). فلا توجد لديهم نظرية بديعة ولا فرض بائس، فالنظرية اما ان تكون صحيحة او تكون خاطئة. والحكم على صحة نظرية (او فرض) ما من عدمه لا تحكمه مشاعر او مزاج او تحالفات الباحث! بل يتم إما على مطابقة ما جاء به الفرض مع الواقع الملموس أو مع معطياته التي يمكن مشاهدتها أو قياسها (نظرية التطابق Correspondence Theory) او بمدى “اتساق” ما جاءت به النظرية مع ما جاءت نظريات أخري ثبتت صحتها (نظرية الاتساق Coherence Theory)، أو إيجاد حل ناجح لمشكلة واقعية (النظرية البراجماتية Pragmatic Theory). ولا تستقيم بحوثهم، أيا كان مجالها، إلا بذكر بحوث الآخرين حتى لو ناقضت نتائجها نتائجهم.
هكذا نجد أنفسنا أمام ثقافتين متباعدتين تعوقان الحوار بين أهل العلم وأهل السياسة. لذا لا يكون مستغربًا أن ينظر أهل السياسة ونشطاءها للنظرية بوصفها “تجريد” لا محل له في ممارساتهم اليومية، وهي أيضا “تعميم” لا يأخذ اعتباره خصوصية وتفرد ما يتعرضون له من مواقف. وينظرون الى اهل العلم ككائنات تعيش في كوكب آخر لا صلة لهم بما يحدث على ارض الواقع مرددين القول المأثور “ان اللي ايده في الماية مش زي اللي ايده في النار”.
أمام هذا الحوار المفتقد تبرز “مستودعات الفكر” Think Tank بوصفها الحل المنتظر؟ ويعرف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (2003) تلك الكيانات بوصفها “منظمات تشارك بشكل دائم في البحوث المتعلقة بالسياسات العامة وفى الدعوة إليها. إنها الجسر بين المعرفة والسلطة في الديموقراطيات الحديثة”. ويعرفها آخرون بأنها “منظمات غير حكومية لا تسعى للربح وتتمتع باستقلال فكرى وتنظيمي ومالي عن الحكومة والأحزاب السياسية وجماعات المصالح المنظمة، وتهدف للتأثير على السياسات”. والمهمة الرئيسية لهذه الكيانات هي “مساعدة الساسة على فهم القضايا المتعلقة بالشئون المحلية والدولية وعلى اتخاذ قرارات عن علم بخصوصها”. وبجانب هذا الدور الرئيسي تبرز أدوار أخرى مثل: الاشتراك في الحوارات السياسية ككيان على علم مستقل ومحايد، وتحديد موضوعات وبرامج ومقترحات السياسات الحالية وتقييمها وإعادة صياغتها، وترجمة الأفكار المتعلقة بالمشاكل المستجدة إلى سياسات، وزيادة وعى الجمهور بتقديم تفسيرات مبسطة للموضوعات التي تؤثر على حياته وللأحداث والسياسات المتعلقة بها، وإقامة منتديات لتبادل الأفكار بطريقة بناءة بين المسؤولين عن رسم السياسات، والعمل على تكوين “شبكات الموضوع“ Issue Networks التي تضم كل من له علاقة بالموضوع قيد البحث. وتشجيع التفكير “غير التقليدي (خارج الصندوق)” حول كل ما يتعلق بحلول بقضايا المجتمع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.