السيد نصر الدين السيد يكتب | حكايتي مع الدوق “دي بروي”

0 326

كانت “ميكانيكا الكم” أحد مقررات الفيزياء التي كنت اتابعها بشغف شديد أثناء دراستي بكلية العلوم. وميكانيكا الكم هي ذلك العلم المعني بدراسة سلوك عالم الذرات ومكوناتها من جسيمات أولية. وهو السلوك الذي عجزت الميكانيكا التقليدية، المرتكزة على قوانين نيوتن الثلاث، عن تفسيره على الرغم من نجاحها الفائق في وصف مكونات الواقع المرئي والتنبؤ بأحوالها المتغيرة (تحديد مسار صاروخ بعابر للقارات، التنبؤ بمواعيد خسوف القمر، ….).
وعالم الذرات والجسيمات الاولية هو عالم بالغ الصغر غير مرئي ولكن يمكن مراقبته عبر تتبع اثار مكوناته. وهو عالم ساحر تواجه فيه المادة وهي في صورتها الأولية وبأنواعها المختلفة وتشاهد فيه عنفوان لقاءاتها. فهناك ترى لحظات “الفناء” عندما تصطدم الجسيمات بعضها بالبعض الآخر فتفنى وتتحول الى طاقة، وترى لحظات “الخلق” عندما تتجسد الطاقة على هيئة جسيمات، بل وتشهد أيضا تخلق الجسيمات الأولية من العدم. وهناك تلتقي الفيزيقا (الفيزياء) مع الميتافيزيقا وجها لوجه.
وفي هذا العلم تعرفت على لوي دي بروي هذا النبيل الفرنسي الذي حصل على درجته العلمية الأولى في التاريخ 1910 ثم درجته العلمية الثانية في العلوم الرياضية والفيزيائية سنة 1913 التي واصل الدراسة فيها الى أن حصل على درجة الدكتوراه سنة 1924. وفي سنة 1929 حصل على جائزة نوبل في الفيزياء عندما اثبتت البحوث التجريبية صدق كل ما ورد في رسالته التي قدمها لنيل درجة الدكتوراه.
وكان من اهم النتائج التي جاءت في رسالته نتيجة مذهلة مفادها انه في عالم الجسيمات الأولية تؤدي حركة الجسيم الى تولد موجة تصاحبه اثناء حركته (*). وهكذا يصبح الجسيم ذو شخصية مزدوجة كـ “د. جيكل” و”مستر هايد”. فأحيانا يتصرف وكأنه “جسم” له كتلة، وأحيانا أخرى يتصرف كـ “موجة” لا كتلة لها. ويختلف سلوك الجسيمات عن سلوك الموجات فوجود عائق في طريق الجسيمات يوقف مسيرتها، ولكن الموجات يمكنها الالتفاف حوله. وهكذا نجح دي بروي في وصف الجسيمات الأولية ككيانات تفعل الشيئة ونقيضه. وكان هذا الاكتشاف واحدا من أهم الأسس التي قامت عليها ميكانيكا الكم (أو الميكانيكا الموجية).
وانتهى المقرر وبقي السؤال “كيف توصل دي بروي الى هذه النتيجة؟” وظل سؤالا بلا جواب الى ان عثرت على نسخة من رسالة الدكنوراه الخاصة وعنوانها “بحوث في نظريات الكم” ” Recherches sur la théorie des quanta”. وفي فصلها الثاني وجدت الإجابة على السؤال. ففي هذا الفصل عرض دي بروي لمبدأين الأول يتعلق بمسار أشعة الضوء (مبدأ فرما Fermat s Principle ) والثاني يتعلق بمسار الاجسام المادية (مبدأ موبرتوي Maupertuis s Principle). وبدون الدخول في التفاصيل أدي تحليل تشابهما بالإضافة الى اعمال بلانك واينشتين الى النتيجة التي توصل اليها دي بوري. ورسالة دي بروي هي نموذج لجماليات الابداع العلمي والتي اتمني يخصص بعض الوقت لعرضها هي ومثيلاتها على طلاب جامعاتنا وبالأخص دارسوا العلوم الأساسية لتكون نموذجا يقتدى به
لم يقتصر أثر “مبدأ دى بروي” على رؤية الانسان لعالم المادة الصماء بل امتد تأثيره الى مجالات اخري. فبداية شكل مبدأ دي بروي أولى الضربات لإحدى تجليات مبدأ: “إما… أو…”… وهو المبدأ الذي يحصر خياراتنا في خيارين “إما (تكون معي).. أو . . (تكون ضدي)” والكيان في عالم الذرات والجسيمات الأولية “إما (ان يكون جسم) .. أو . .(يكون موجة)”. وهو المبدأ الذي صاغه الفيلسوف ارسطو (384-322 ق.م) منذ أكثر من ألفى سنة على هيئة قانون من قوانين المنطق هو “قانون الثالث المرفوع”Law of the Excluded Middle الذي ينص، في صورته اللفظية، على “أن الحكم بصحة أمر من الأمور لا يخرج عن اثنتان: فهو إما أن يكون صائبا، أو أن يكون خاطئا”. وهو القانون الذي يحصر خياراتنا في خيارين فقط يستبعد كل منهما الآخر.
كما مهد “مبدأ دي بروي” الطريق، بطريقة غير مباشرة، امام ظهور” المنطق الغائم” Fuzzy Logic وهو المنطق الذي يختلف تماما عن المنطق التقليدي الذي سيطر على فكر الإنسان لما يزيد على الألفي سنة. فهو منطق يرفض القانون الرئيسي الذي قام عليه المنطق التقليدي، قانون الثالث المرفوع, ولقد تمكن برفضه هذا من تجاوز عدم واقعية مقولة الصواب المطلق أو الخطأ المطلق التي إرنكز عليها المنطق التقليدي ومن إفساح الطريق أمام منطق جديد يسمح بامتزاج الخطأ والصواب في أحكامنا على الأمور. وفى النهاية يؤكد لنا “المنطق الغائم” أنه لا يوجد صواب مطلق أو خطأ مطلق وأن أحكامنا على الأمور يمتزج الخطأ فيها مع الصواب وأنه لا يوجد احتكار للصواب ولا تأميم للحقيقة. وبهذا تتأصل ضرورة تقبل الأخر والانفتاح على ما يطرحه من أفكار والتعلم مما اكتسبه من خبرات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.