بشير الحامدي يكتب | كورونا الطبقية

0 328

ضحايا الأوبئة وفي كل العصور هم أولئك الذين في أسفل السلم الطبقي المترسبون في القاع الاجتماعي من الطبقات الفقيرة وكل المجاورين لها وأسفلها غير القادرين على تأمين الحدّ الأدنى للبقاء على قيد الحياة أولئك الذين لفضتهم الماكينة الطبقية الحادة المسننة.
وها هو حدث عابر يظهر بشاعات أوضاع حياتنا على حقيقتها ويثبت حالة طبقية مرعبة الفوق فيها والتحت متباعدان جذريا. حالة طالما غضضنا عنها النظر وتعايشنا معها وتطبعنا بها حتى صارت أشبه بالقدر الذي لا فكاك منه.
منذ زحف فيروس كورونا وانتشاره في كل بلدان العالم وأصحاب النفوذ المالي والسياسي المتحكمون في القرار ومراكز بحوثهم وكل أجهزتهم يؤكدون ويخبروننا أننا في حرب ضد هذا الفيروس وأنهم يعملون كل ما في وسعهم لمكافحته ويقنعوننا ليل نهار بضرورة الالتزام بقرارتهم ويتعدون ذلك إلى وضع إجراءات الحجر الصحي والعزل والتباعد الاجتماعي ومنع الولوج إلى الأماكن العامة وتكوّن الجموع إجراءات يفرضونها بالقوة ليتحول أمر خرقها وفي بلدان عديدة إلى جريمة يعاقب عليها القانون.
في خطاب هؤلاء تبدو الأفكار في الظاهر منسجمة متماسكة “خيرة” ولصالح جميع السكان ومن أجل حق الجميع في الحياة تماما مثل تلك الأفكار التي بها يقع الإعداد النفسي لخوض الحرب دفاعا عن الوطن وعن ساكنته أمام هجوم عدو يتطلب أمر مواجهته تجنّد الجميع وتجاوز الخلافات والصراعات الداخلية أو تأجيلها حتى تحقيق البقاء للجميع. ولكن الحقيقة والنتائج لم تكن دائما على الصورة التي قدمت بها هذه الأفكار.
فالحروب قديمها وحديثها كانت دائما لصالح الطبقية الأكثر غنى ولم يدفع ثمنها غير الملايين من فقراء العمال والفلاحين.
الملايين الذين قضوا في الحروب لم يكونوا من أبناء الطبقات المرفهة الغنية.
والملاين الذين قضوا في الأوبئة على امتداد التاريخ كانوا من صفوف السكان الأشد فقرا.
ولئن كانت الحروب والأوبئة تبدو في الظاهر ديمقراطية في الفتك وفي توزيع المخاطر على الكل إلا أنها كانت غير عادلة بانعدام عدالة مواجهة مخاطرها بين الجميع.
وكما في الحروب تسقط الفيالق والوحدات الأقل تسلحا والأقل تنظيما وتسجل أكبر الخسائر في صفوفها يفتك كذلك فيروس كورونا اليوم بالسكان الأشد فقرا والأقل قدرة على التوقي وينتشر ويزرع الموت في الجهات الأكثر تهميشا ولكن إحصاءاتهم و أرقامهم ونسبهم تسكت عن ذلك ولا تعلنه .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.