حاتم الجوهري يكتب | ثورة المجتمع الافتراضي

0 313

تقد أنه حان الوقت لتضع البشرية نفسها أمام تطور اجتماعي مهم للغاية، كشف عنه الانقطاع العالمي الأخير في وسائل التواصل الاجتماعي الرئيسية المرتبطة بواجهة شركة “فيس بوك”، والتي تضم إلى جواره “واتس آب” و”انستجرام” و”ماسينجر”.
وهو أننا انتقلنا في مرحلة سابقة من مجرد وجود وسائل للتواصل الاجتماعي اعتبرها البعض مجرد تقنيات، إلى ظهور حالة من التواصل الاجتماعي المستمر كمجال حيوي جديد يضاف للظاهرة البشرية ونطاقات عملها واجتماعها، إلى ما يمكن تسميته الآن بكل وضوح “البيرسونا الافتراضية” أو “الشخصية الافتراضية البديلة” للإنسان المعاصر، وأميل لتسميتها بـ”البيرسونا” لأن البيرسونا في علم النفس تعني وجود شخصية مختارة في مجال معين لها سماتها وصفاتها التي تحرص عليها، أو تحرص على انتقائها والتدقيق فيها.
وأقصد بذلك أنه علينا الاعتراف بأن ما نتعامل معه في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، ليس مجرد تقنيات للتواصل وإنما هي تطورت في مرحلة ما لتصبح مجتمعا افتراضيا قائما بذاته، ثم طور هذه المجتمع الافتراضي “شخصية افتراضية” بديلة لكل مشارك به، وأصبح لهذه الشخصية آليات تواصلها ومحيط تفاعلها التي أصبحت جزء منه.
بشكل أوضح وأكثر مباشرة أن كل إنسان ناشط على مواقع التواصل الاجتماعي أو له حضور باستمرار، وله مساهمات متراكمة به، أصبح لنشاطه هذا شخصية افتراضية مستقلة أو ما يمكن تسميته بلغة علم النفس “بيرسونا افتراضية” مختارة، وهذه الشخصية المستقلة أصبحت كائنا حيا له معظم سمات شخصيته الطبيعية في محيطه الواقعي، بل قد تتميز عنها بالانتقائية والاختيار فيما يتم مراكمته في سجلها الافتراضي أو “ذاكرتها الافتراضية” المنتقاة، بالموازاة لذاكرتها الواقعية المخية التي تحمل كل التفاصيل دون انتقاء أو اختيار.
بما قد يجعل البعض أشد حرصا على هذه “البيرسونا الافتراضية” وعلى “ذاكرتها الافتراضية” المختارة أو المنتقاة بعناية شديدة، لتعبر عما يريد أن يعلن للعالم وان يدخل في “سجله الافتراضي” المتراكم، فيمكن أن نجد “بيرسونا افتراضية” تراكم سجلا من المشاركات المهنية، وأخرى سجلا من المواقف الكوميدية، وثالثة من المواقف اليومية، ورابعة تراكم سجلا متداخلا من كل هؤلاء لكنها تمارس علية انتقائية بالطبع، لأن وجود “البيرسونا الافتراضي” ووعيها يعلم علم اليقين أن كل ما تقوم به يدخل في نطاق “الذاكرة الافتراضية” المتاحة للجميع، أو على الأقل جميع من يختارهم في مجتمعه الافتراضي الخاص، رغم أن الكثيرين أصبحوا يضيفون سمة لمشاركتهم تنص على الإتاحة العامة والمطلقة بالاطلاع للجميع، بحثا عن المزيد من التفاعل واختبار الحتمالات والمسارات البشرية الممكنة.
بالتالي هذه البيرسونا الافتراضية أصبحت لها مشاعر خاصة بها، وأصبحت لها ردود فعل تنتظرها، وأصبح لها عالم خاص بها تعيش فيه ولا تستطيع الابتعاد أو التخلي عنه، وأصبح لها وجودا مستقلا خاصا بها، قد يكون موازيا للعالم الواقعي ويعكس بعضا منه، لكن هذه “البيرسونا الافتراضية” ترفض بكل قوة أن يتم اختزالها أو منع قدرتها على الحياة، بحجة أنها مجرد انعكاس أو تمثلات موازية للعالم الواقعي.
فعمليات التواصل من خلال المجتمع الافتراضي الرئيسي وآلياته في “فيس بوك” و”واتس آب” و”ماسينجر”؛ أصبحت إنسانية تمام تنتظر رود الفعل من إعجاب وكره وثناء ومشاركة، وأصبحت تتطلب المتابعة كي لا تشعر الشخصيات البديلة بالوحدة والعزلة بعضها عن بعض، أي أن الشخصية الافتراضية البديلة أو المستقلة أو الممثلة للإنسان أصبح لها وجودا افتراضيا حقيقا ترفض التخلي عنه، وترفض الانقطاع عنه مثلما حدث في التجربة الأخيرة لتوقف وسائل المجتمع الافتراضي الرئيسية عن العمل.
كما أن هذه الشخصية الافتراضية البديلة بتفعالتها المتراكمة أصبح لديها سجلا اجتماعيا وحياتيا تخاف عليه من الضياع، أصبح لديها “ذاكرة افتراضية” محفوظة تسجل تفاعلاتها الافتراضية وتحتفظ لها بها، بخلاف الشخصية العادية في الواقع التي تعتمد على ذاكرتها المخية التقليدية، التي تقوم على الاسترجاع الانتقائي بخلاف “الذاكرة الافتراضية” التي تتيح كل شيء، من ثم أصبحت الاتاحة والحضور الافتراضي وتفاعلاته مدققة ومختارة فيما يشبه “البيرسونا”، لأنه متاحة وقابلة للاسترجاع من جانب الجميع، وأصبحت هذه الشخصية الافتراضية البديلة تخاف على سجلها الافتراضي وذكرياتها وتفاعلاتها من الضياع.
أعتقد أن الخيال العلمي الذي كان يقوم على وجود بديل افتراضي بشكل ما للإنسان وحياته وانفعالاته قد أصبح واقعيا، وأن حادثة انقطاع وسائل المجتمع الافتراضي مؤخرا أثبتت ظهور هذا الواقع البديل والموازي، الذي ربما يعبر عن حياة الإنسان الواقعية وأحداثها لكنه أصبح واقعا مستقلا بذاته الاجتماعية لحد بعيد، طور “بيرسونا” خاصة به وهذه “البيرسونا” أصبحت لها حياة مستقلة تتنفس وتعيش من خلالها، وتوزاي أو تتقاطع مع الشخصية الواقعية لكن وجودها أصبح مستقلا وقائما بذاته.
وهنا يصبح السؤال ما الممكن عمله إزاء هذه الشخصية الافتراضية الجديدة التي أصبحت واقعا موازيا لحياة البشر، وله استقلالية كبيرة؟
في دراسة سابقة لي نشرت في عام 2019م بعنوان: “من الفيس بوك إلى علم الاجتماع الافتراضي”، رصدت عوامل ظهور المجتمع الافتراضي وأجملتها في “الشيوع وظهور أنماط متكررة” بعد “النخبوية في الاستخدام والمحدودية”، ورصدت سمات المجتمع الفعال ووضعت لها محددات للضبط أجملتها في مقولة “الترشيد والوظيفية”.
لكن الآن مع ظهور هذه “البيرسونا الافتراضية” يمكن التأكيد على الدور العلمي لعلم الاجتماع الافتراضي كما أجملته في مقولة “الترشيد والوظيفية”، ودور الفواعل الرسميين وغير الرسميين للتدخل لتوجيه أنماط السلوك في هذا المجتمع الافتراضي، إنما لابد من الإشارة إلى أن هذه “البيرسونا الافتراضية” التي أعلنت عن نفسها عندما شعرت أن وجودها أصبح مهددا، عندما لم يتمكن الناس من الوصول لمواقع التواصل الافتراضية الرئيسية، أصبح لها حياة مستقلة كاملة مفتوحة الاحتمالات.
بمعنى أن مجتمع الشخصيات الافتراضية “البيرسونات” هذه أصبح مجتمعا مفتوح الاحتمالات الآن؛ قد يقبل تدخل الفواعل الرسميين وغير الرسميين، وفق المبدأ الذي طرحته دراستي السابقة عن “الترشيد والوظيفية” أو أي مقاربات أخرى للتدخل.
لكنه أصبح مجتمعا مفتوح الاحتمالات يدافع عن نفسه ويطالب بوجود وحياة هذه “البيرسونا الافتراضية” التي خرجت للعالم وترفض الموت بشدة، أو تحديد نطاقات الوجود.
وهذا قد يصعب من مهمة الفواعل الرسميين وغير الرسميين للتدخل وفق مبدأ “الترشيد والوظيفية” الذي وضعته في دراستي السابقة، إذ سيتحتم عليهم القبول بمبدأ “التفاوض والاعتراف” بوجود هذه “البيرسونا الافتراضية” المختارة، التي -ولأنها مختارة في مساهماتها وتفاعلاتها- أصبحت شديدة الأهمية والمركزية للإنسان في مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.