حبطيش أوعلي يكتب | مشكلة الإحساس والإدراك

0 166

إن المشكلة التي تواجهنا في مثل هذه المواضيع النفسية والمعرفية تكمن في صعوبة تحديد العلاقة بين الإحساس والإدراك ، فهي من جهة علاقة انفصال ومن جهة نجد بينهما تداخلا كبيرا وعلى ضوء هذا التعارض الذي تفرزه طبيعة الموضوع نفسها بوسعنا أن نتساءل : هل علاقتنا بالعالم الخارجي تتم عن طريق الإحساس أم الإدراك؟ وهل كل معرفة ينطوي عليها الإدراك مصدرها الإحساس؟ وإذا كان الإحساس عملية أولية للاتصال بالعالم الخارجي ، فهل معنى ذلك أنه خال من أي نشاط ذهني
ضبط مفهوم الإحساس: تعبير عن انفعال أعضاء الحس بواسطة المؤثرات الخارجية وما يصحب ذلك من تغيير في الذات ، وبه تحصل المعرفة ويتم التكيف.
الإحساس يتعلق بالتأقلم مع العالم الخارجي أكثر من تعلقه بمعرفة هذا العالم وان طبيعته الحيوية تطغى على طبيعته النفسية
ولكن ماذا عن الإدراك كمعرفة عقلية تُطلعنا على حقيقة هذا العالم الخارجي؟
إن الفرق بينهما هو تماما كالفرق مبدئيا بين العقل والإحساس.
الادراك عملية عقلية لأن العقل هو اعلى ملكة فينا، ونستنتج ان الادراك عملية إنسانية باعتباره وظيفة عقلية عليا وأنه فعالية معقدة تتدخل فيها قدرات عقلية مختلفة يحقق المعرفة من وراء الاحساس والتجريد.
يختلف إدراك العالم المحيط بنا من شخص إلى آخر يعود ذلك إلى وجود عوامل وشروط تتصل بالذات المدركة وبالموضوع المدرك وبالموقف الذي يشكلهما:
-عوامل نفسية وعقلية : الميل ، التهيؤ ، الانتباه ، التوقع ، التعاطف ، الكبت
-عوامل موضوعية وبيئية: لها صلة بالموضوع المدرك : الشكل والارضية ، التشابه التقارب الضوء الظل الحركة
-عوامل اجتماعية وثقافية : تاثير المكتسبات الاجتماعية
نستنتج أن الإدراك في آليته ليس واحدا عند الجميع فهو يتوقف على مؤثرات متعددة تجعل معارفنا عن العالم الخارجي نسبية وغير مكتملة.
– أخطاء الادراك : الخداع البصري : مثال العصا المغموسة في الماء تبدو منكسرة .
– الخداع الحركي.
– أمراض الادراك : أمراض المعرفة : عدم التمييز بين احساسين أو أكثر و أمراض الهلوسة …الخ
نستنتج أن الادراك ظاهرة انسانية يتميز بطابعه العقلي وبكونه نشاطا معقدا يحتاج إلى اسهام بقية الوظائف العقلية العليا، وينتهي إلى معرفة نسبية تتحكم فيه عوامل مختلفة .

ولكن هل كل معارفنا الإدراكية حول هذا العالم تنبع بالضرورة من الاحساس؟
– مباحث الفلسفة التقليدية وخاصة في مبحث نظرية المعرفة نجد نزاعا بين القائلين بالطبيعة العقلية للمعرفة وبين القائلين بالطبيعة الحسية، إلا أن الفريقين يتّفقان على مسألة جوهرية هي التمييز بين الاحساس و الإدراك
موقف فلاسفة اليونان الكبار وخاصة سقراط وأفلاطون من المعرفة الحسية والمعرفة العقلية:
• الإحساس وحده لا يحقق معرفة مجردة
• الإحساس يثير العقل لتحقيق معرفة مجردة
• الاحساس ادنى قيمة معرفية من الادراك والمعرفة فيه ظنية لا يقينية
وخلاصة القول أن أنصار المذهب العقلي منذ العصر اليوناني إلى الآن يعتقدون أن ثمة ما يستوجب التمييز بين الإحساس و الإدراك سواء من حيث الطبيعة أو من حيث القيمة المعرفية.
فإذا انتقلنا إلى الحسيين قديما وحديثا فإنهم يقرون أيضا بالتمييز بين الاحساس و الادراك انطلاقا من الدرجة أو شدة التعقيد.
• مقياس الحقيقة هو التجربة والاحساس لا العقل والادراك المجرد
• مقياس المعرفة الحقة كما يقول الرواقيون ليس الافكار الكلية ، إنما هو التجربة الحسية
• الادراك العقلي نفسه مكتسب من الخبرة
• نفس الطفل – كما يرى الرواقيون- لا تشتمل على أي نوع من المعارف المسبقة أو الفطرية فهو يبدأ في تحصيلها بعديا شيئا فشيئا بواسطة خبرته الحسية

ليس ثمة أفكار فطرية ، بل خبرة مكتسبة .. ليس ثمة أفكار مجردة ، بل انطباعات حسية
الخلاصة هي أن أن كلا النزعتين العقلية والحسية في بسطهما وتعليلهما لم تستطيعان حل الأشكال القائم حول طبيعة العلاقة بين الاحساس و الإدراك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.