حسني رفعت حسني يكتب | الميتافيرس والاتصال

0

ارتبط الاتصال ارتباطًا وثيقًا بحياة الإنسان ونشأته على مر العصور، واستعملهُ كأداة أساسية للتواصل مع نفسه ومحيطه، والتعبير عن أفكاره وآرائه ومعتقداته واتجاهاته وتفضيلاته، وهو ما جعل العلماء والباحثين يهتمون به من منطلق ذلك الارتباط الوثيق وما يؤديه من وظائف متعددة كالإعلام والتعليم والتثقيف والتوجيه وغيرها.
مر الاتصال بمراحل عدة غيرت من ملامحه وخصائصه، فنجد أنَّ بداياته كانت تقتصر فقط على الإشارات والرموز، ثم الكلمات، وصولًا إلى تلك المرحلة التي غيرت الاتصال جذريًا، وتمثلت باختراع العالم “يوهان غوتنبرغ” للمطبعة عام 1450م، وهي مرحلة أحدثت ثورة في الاتصال والمعرفة، أتاحت فرصة لإعادة تشكيل وعي الإنسان وإخراجه من قيود الطبقات الحاكمة، إذ انتشرت الكتب والصحف بين الناس في المجتمعات وأصبحت وسيلة مهمة في حياتهم.
استمر الاتصال بالتطور مواكبًا متطلبات العصر، وما يظهر من اختراعات واكتشافات جديدة، كالراديو، والتلفاز، والبث الفضائي، بعدِّها وسائل اتصال جماهيرية وصلت إلى ملايين الأفراد، وقربت المجتمعات بشكل لم تشهدهُ البشرية من قبل، لكنَّ الاتصال في كل تلك المراحل كان خطيًا؛ أي مرسل يرسل رسالة إلى متلقي، دون أن يكون لذلك المتلقي دورًا فاعلًا في العملية الاتصالية، حتى ظهرت شبكة الإنترنت التي غيرت مفهوم العملية، فأصبحت تشاركية تفاعلية بشكل دائري، تحول فيها المرسل إلى متلقي، والمتلقي إلى مرسل للرسالة، وهو ما نراهُ اليوم في مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقاته، التي أخذت حيزًا واضحًا من حياة الأفراد، ولا يُمكن الاستغناء عنها من أجل التواصل والوصول إلى المعلومات.
لم يقف الاتصال عند هذا الحد، بل تطورَ بتطور التقنية وظهور تطبيقات وخدمات جديدة قربت الأفراد، فأصبحت الرسالة الاتصالية تصل بشكل فوري إلى الآخرين في أي مكان وزمان، ولعل من أبرز هذه التقنيات الحديثة ما يُطلَق عليه العوالم الافتراضية أو “الميتافيرس”، وهو مصطلح يُشير إلى شبكة افتراضية ثلاثية الأبعاد هدفها تقريب العلاقات الاجتماعية افتراضيًا في بيئة تختلف عن الواقع والعالم الحقيقي، كان الظهور الأول لهذا المصطلح عام 1992م في رواية “تحطم الثلج” للكاتب الأمريكي “نيل ستيفنسون”.
تختلف العوالم الافتراضية عن المجتمعات الافتراضية اختلافًا كبيرًا، من ناحية طبيعة التفاعل داخلها، والأدوات المستعملة في الدخول إليها، والنشاطات التي يُمكن أن تحدث فيها، فالمجتمعات الافتراضية مصطلح أطلقهُ الباحثين على ما أفرزه “ويب2” من مواقع، وتطبيقات، ومدونات، ومنتديات، أتاحت الاتصال والتواصل والتفاعل مع المستخدمين الآخرين، في حين أنَّ العوالم الافتراضية تختلف تمامًا عنها، إذ يُمكن للمشارك فيها شراء قطعة أرض افتراضية، وبناء منزل افتراضي، واختيار شكلهُ ومظهره، والحصول على وظيفة، وأموال، وكل ما يخطر في ذهنه، مستعملًا أدوات مثل نظارات الواقع الافتراضي، وأجهزة التحكم الأخرى.
بدأت الشركات الكبرى الاستثمار بشكلٍ غير مسبوق في هذه العوالم الافتراضية، عن طريق شراء العملات الرقمية، ومساحات الأرض الافتراضية، والرموز غير القابلة للاسترداد، حتى أصبح هناك أسهم يتم تداولها في البورصة، وهذا أمرٌ ناتج عن تنبؤات بأهمية هذه العوالم، وحاجة الناس إليها في المستقبل القريب.
تؤثر العوالم الافتراضية على الاتصال والعملية الاتصالية تأثيرًا واضحًا يُمكن رصدهُ وملاحظته في كل التفاعلات التي تجري فيها وعلى مستوياتٍ عدة، إذ بإمكان المشاركين التواصل مع بعضهم وجهًا لوجه، وبشكل مباشر وشخصي افتراضيًا؛ بمعنى أنَّ المشارك يستطيع رؤية الطرف الآخر من العملية الاتصالية والإحساس به عن طريق التجسيد ثلاثي الأبعاد، وما يتم ربطه من أدوات تنقل إيعازات تكاد تكون حقيقية، لكن بصورة أو ملامح افتراضية، وهذا المستوى من الاتصال، لا يُمكن تحقيقه في أي من الوسائل الاتصالية أو الإعلامية السابقة، لذلك نحنُ اليوم أمام تحدي لإعادة تعريف مصطلح الاتصال، وتحديد مستوياته الجديدة التي تجاوزت التفاعلية، مثل مستوى الاتصال الذاتي-الافتراضي، والشخصي-الافتراضي، والجمعي-الافتراضي.
رغم ما تحمله تلك العوالم الافتراضية من جوانب إيجابية تعود بالمنفعة على المستخدمين، إلا أنَّ سلبياتها أشد مما نعانيه اليوم من مشكلات بسبب الإنترنت بشكلٍ عام، ومواقع التواصل الاجتماعي بشكلٍ خاص، إذ أنَّ العوالم الافتراضية فيها عالم يشبه الحقيقي، قد تحدث داخلها جرائم افتراضية، منها ما يتعلق بالخصوصية، كون أنَّ هذه العوالم تعتمد على جمع أكبر قدر من البيانات والمعلومات عن مستخدميها، وبتفاصيل دقيقة جدًا، وهو ما يجعلها معرضة للاختراق والقرصنة والسرقة، فضلًا عن جرائم افتراضية أخرى ذات صلة بالجنس، والمخدرات، وتجارة البشر.
تسبب العوالم الافتراضية أضرارًا صحية أكبر مما تسببه شاشات الهواتف المحمولة، وهو ما يشكل مصدرًا للقلق على صحة المستخدم المشارك فيها، إذ يتفق الباحثين في مجال الطب وعلم النفس على أنها تسبب الاكتئاب، والقلق، وأمراض نفسية أخرى، وتسبب السمنة وأمراض القلب والأوعية الدموية، لذلك يجب توظيف هذه التقنية الجديدة توظيفًا يسهم بشكل فاعل في خدمة الفرد والمجتمع بمختلف مجالاته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.