حميدة العربي تكتب | العادات والتقاليد هل هي قيود إضافية ؟

0

كلما حاول أحدٌ ما، وسعى للتغيير أو الابتكار أو التجديد أو الاختلاف، تصدى له البعض معارضين وممانعين بدعوى إن هذا لا يناسب عاداتنا وتقاليدنا.. فما هي تلك الموانع المتصلبة التي تسمى عادات وتقاليد؟
هي مجموعة أفعال وسلوكيات وتصرفات ونشاطات، تعجبنا وتوافق عقليتنا وظروفنا ومزاجنا وعيشنا، نمارسها ونتبناها ونعتقد إنها أفضل طريقة لاستمرار ذِكرنا والحفاظ على ما تركه لنا الآباء والأجداد، وغالباً ما يتم ذلك دون مراجعة أو دراسة أو غربلة لفرز ما هو صالح ومفيد. والعادات والتقاليد نوعان، العامة التي نشترك بها مع الآخرين ونحاول ـ قاصدين أو مقلدين ـ أن تظل، دائماً، متوافقة مع ما هو سائد ومرضية للمجتمع، الواسع، المحيط بنا، كي نتجنب استفزازه ورفضه… والخاصة التي يمارسها الفرد مع نفسه وفي تفاصيل حياته اليومية وهي لا تختلف كثيراً عن عادات الآخرين من الأقارب أو الجيران أو المجموعة التي ننتمي اليها. وقد أثبتت الوقائع الحياتية إن العادات العامة والخاصة، كلاهما يعيق التفكير والابتكار والتجديد.. فالخاصة ( الشخصية) تولّد الروتين والملل والكسل، يستسلم فيها الإنسان للاسترخاء والاتكاء على ما موجود كسباً لراحة البال أو تجنباً لردة فعل مضادة من المجتمع. أما العادات والتقاليد العامة فهي ثابتة، لا يتجرأ أحد على تغييرها ولا يستطيع القيام بعمل أو نشاط، لا يتماشى معها، مهما كان مفيداً وجيدا.
وبمرور الوقت تترسخ تلك العادات وتثبت، ويضاف لها تفاصيل وتفرعات وتوابع حسب مشيئة الأفراد، وما يتوائم مع مصالحهم ومكانتهم وراحتهم، وتدريجياً يُفرض تطبيقها على المجتمع وتصبح عند البعض، شبه مقدسة. ويُعتبر كسر تلك العادات أو عدم الالتزام بها نشازاً أو تمرداً، يُقابل بالرفض والاستنكار والإدانة، وقد يصل الأمر الى العقوبة أو الاعتداء، لمنع ذلك الاختلاف وإيقافه والحيلولة دون تكراره.
وهكذا يقف المتعصبون للعادات والتقاليد حائط صدٍ ضد كل محاولة للتغيير أو التطور ويرفضون كل جديد أو مختلف دون التأكد إن كان ينفع أو يضر، يرفضونه فقط لأنه لا يشبه عاداتهم!. نعم هناك بعض التقاليد الشعبية التي تميز مجتمع عن غيره من المجتمعات ويكون الاحتفاء بها تأكيداً لهويته وحفاظاً لتراثه، وهذا النوع من التقاليد نادر في مجتمعنا أو غير موجود كوننا مجتمع متنوع، إثنياً ودينياً وفكرياً، حيث تحتفي كل مجموعة بما لديها. لذا فالواقع يؤكد إن التقاليد عندنا هي ممنوعات تحت عنوان ( التقاليد ) بتعبير آخر، باسم التقاليد يمنعون كل شيء لا يعجبهم. وبعبارة أدق العقلية هي التي لا تسمح بالتغيير والاختلاف وليست التقاليد المزعومة.
أسوأ فكرة ابتدعتها البشرية هي فكرة الأغلبية والأقلية فعلى أساسها تمارس المجموعات ذات العدد الأكبر عاداتها وتقاليدها التي اختارتها لنفسها بما يتماشى مع عقلية أفرادها، ومع ذلك تريد أن تفرض على الجميع الالتزام بها، ليس خوفاً من المختلف أو الجديد فحسب وإنما تحاشياً من فقدان هيمنتها وسطوتها على الآخرين. تلك هي العبرة والمغزى من ذلك. فكر، قليلاً، بهذه التساؤلات:
. هل تسمح للآخرين أن يفرضوا عليك عاداتهم وتقاليدهم، أكيد لا! لماذا إذن تريد فرض عاداتك وتقاليدك على الآخرين؟
. إذا كنتَ خائف من تأثير الآخرين ( المختلفين ) على عاداتك وتقاليدك.. فهذا يعني إنها هشة وقابلة للانهيار والتلاشي بسرعة.. فأين هي قوتها وقيمتها؟.
. إذا كانت عاداتك تناسبك وأنت مرتاح لها.. هل تعتقد إنها تناسب الآخرين وتريحهم؟
. عدم قبولك لعادات الآخرين وانتقادهم سيواجه بعدم قبولهم لعاداتك.. فلماذا تغضب وتثور لأي نقد أو اختلاف؟
. اذا كسر أحدهم العادات والتقاليد لا يعني إنه يريد الإساءة لك، بل لإنها صارت لا تناسبه وتبنّى عادات جديدة، وهذا من حقه، لماذا تعتبر كل شيء ضدك وضد عاداتك وتقاليدك؟.
. لماذا لا تدع من يكسر العادات والتقاليد وشأنه، يتحمل هو النتائج مهما كانت؟.
. أنت لا تقبل أن يتدخل أحد ويطلب منك التخلي عن عاداتك، فلماذا تسمح لنفسك التدخل عندما يغيّر الآخرون عاداتهم؟.
. عندما تعاني من الجوع والمرض والجهل.. لن تفيدك العادات والتقاليد، ولن تزودك بالخبز والدواء والعلم، هل لاحظت كيف يتخلى الناس عن الكثير من العادات والتقاليد وحتى المبادئ عند الحروب والنوائب والكوارث؟.
. مهما كانت عاداتك وتقاليدك جميلة وعظيمة بنظرك، لا يعني إنها صح، وعادات الآخرين خطأ، هل راجعت نفسك يوماً وانتقدتها؟.
. لماذا تعتبر نفسك المعلم والآخرون تلاميذ ومن واجبهم طاعتك؟.
. العادات والتقاليد هي من صنع البشر، يمكن تغييرها أو تعديلها أو حذفها، فلماذا تجعلها قيداً يحول دون تقدمك وتحسين حياتك؟.
……..

أخيرا… العادات بنوعيها الخاص والعام، عبارة عن قيود إضافية، مع القيود العشائرية والقبلية والدينية والقانونية، تضعها على نفسك، أما استسلاماً لما هو سائد، أو تقاعساً عن العمل والبحث والتغيير، أو خوفاً من الجديد والمختلف…
وتذكر، إن لكل مرحلة زمنية متطلباتها وعاداتها وتقاليدها حسب الظروف الآنية والمستجدات الحياتية والإنسانية لهذا، عاداتك وتقاليدك، مهما حافظت عليها وتعصبت لها وخاصمت من أجلها، في حياتك، فسوف تتغير بعدك، لأنه أمر حتمي.. فلا تتعب نفسك كثيراً وعش حياتك ودع الآخرين يعيشون حياتهم كما يريدون!.
تخبرنا الوجودية: ان الفعل الذي لا يتضح فيه قرارك هو فعل عبودية، عبودية للاعراف والعادات وروتين الحياة، لذا العادات والتقاليد مجرد أفعال عادية، لا يتضح فيها قرارك، بل صنعها أهلك أو أجدادك، بالصدفة أو للحاجة الوقتية، في زمنهم، وأنت ورثتها منهم وحولتها ـ مثلهم ـ الى قيود، فرضتها على نفسك وتريد فرضها على الآخرين!.. ولكن هيهات.. الزمن جارف، والتغيير حتمي!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.