حميد الكفائي يكتب | في وداع الملكة إليزابيث.. بريطانيا بين التقليد والتجديد (١ – ٢)

0

اعتلت الملكة إليزابيث الثانية عرش بريطانيا لسبعين عاما، حيث بدأت عهدها ملكةً للإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، والخارجة منهكةً قبل سنوات من حرب عالمية مدمرة، وعاصرت 14 رئيس وزراء، 13 منهم هي كلفتهم بمهام تشكيل الحكومة وإدارة البلد، لكنها لم تتدخل قط في الشؤون السياسية، ليس قصوراً، بل احتراماً للنظام الديمقراطي، الذي تفخر بريطانيا بأنه نشأ وتطور على أرضها ثم انتقل شرقاً وغرباً.

برهنت الملكة الراحلة على قدرة استثنائية على تجاوز الصعاب، والتكيف مع الزمن، وبذلك حافظت على النظام الملكي، بل رسخت دعائمه وجعلته مقبولا ومحبوبا، ودفعت البريطانيين وباقي دول الكومنولث لاحترامه والتمسك به.

كانت ملكةً، ليس لدولة واحدة، بل لدول عديدة، تزداد أو تنقص حسب الظروف الدولية أو الوطنية، وعندما رحلت، كانت ملكة (ل 15) دولة، أولاها بريطانيا، و14 دولة أخرى، هي كندا، وأستراليا، ونيوزيلندا، وجاميكا، وباربودا، وأنتيغوا، وبليز وغرانادا، وبابوا غينيا الجديدة، وسان كيتس ونيفيز، وسان لوسيا، وسان فينسانت، والغرينادينز، وجزر سولومون، وتافلو. كما كانت رئيسة لمجموعة دول الكومنولث، التي تضم 56 دولة مستقلة، بعدد سكان بلغ 2.4 مليار إنسان.

العاهل البريطاني يملك ولا يحكم منذ قرون عديدة، إذ تحددت سلطاته وأخذت تنتقل تدريجيا إلى البرلمان والحكومة التي يعينها، منذ أن سُن ميثاق “ماغنا كارتا”، أو ميثاق الحقوق، عام 1215م، والذي صاغه رئيس أساقفة كانتربري، الكاردينال ستيفن لانغتن، ووقعه الملك جون، ملك إنجلترا، وكان يهدف إلى تحقيق السلام بين الملك جون والنبلاء (البارونات) الثائرين على سلطته.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت سلطة الملك وصلاحياته محددة ومعروفة، وهو في العادة لا يتجاوزها رغم أن بإمكانه ذلك في بعض الأحيان.

الكاتب الإنجليزي، وولتر باغشوت، كتب في كتابه المعنون (الدستور الإنجليزي) الصادر عام 1867، أن الملك له ثلاثة حقوق في الملكية الدستورية، هي حق الاستشارة وحق التشجيع وحق التحذير.

وهذا ما مارسته الملكة الراحلة إليزابيث الثانية بهدوء ودون تصادم مع الحكومة حتى العام 1963، عندما تعرضت للانتقاد عند اختيارها السير إلِك دوغلاص هيوم لتشكيل الحكومة، إثر استقالة رئيس الوزراء، هارولد ماكميلان، ولم تختر نائبه، راب بتلار. القصر الملكي نفى أن يكون له دور في هذا الاختيار، الذي جاء على الأكثر بناءً على نصيحة من رئيس الوزراء المستقيل هارولد ماكميلان.

المشكلة التي كانت تحصل سابقا هي أن حزب المحافظين البريطاني يفتقر إلى الشفافية في اختيار زعمائه، فكبار قادة الحزب يقدِّمون اسما إلى الملكة كي تختاره رئيسا للوزراء، ولأن العملية غير علنية، بدت الملكة وكأنها هي من يختار رئيس الوزراء وليس الحزب، والحقيقة هي أن الحزب ممثلا برئيس الوزراء المستقيل هو من يقدم الاسم إلى الملكة.

وبعد عام 1965، حذا حزب المحافظين حذو حزب العمال في جعل عملية اختيار الزعيم شفافة وعلنية وديمقراطية، كي يعرف الشعب كيف وصل الزعيم إلى سدة الزعامة، وما هي درجة التأييد التي يحظى بها.

أول رئيس وزراء تعاملت معه الملكة الراحلة بعد توليها العرش كان ونستون تشرشل، الذي كان متميزا في خبرته السياسية والعسكرية وشجاعته الاستثنائية، إضافة إلى أدبه وثقافته العالية، إذ كان حائزا على جائزة نوبل في الآداب.

ويذكُر المؤرخ البريطاني، ريتشارد ثورب، أن تشرشل قد أوصاها أن تستمع في بداية عهدها إلى رؤساء الوزارات الأكبر منها سنا والأكثر خبرة، بعد ذلك يمكنها أن تنصح رؤساء الوزراء اللاحقين بحكم تراكم الخبرة لديها عبر السنين.

وقد ذكر ثورب أن الملكة اعترفت بأنها تعلمت الكثير من ونستون تشرشل، وكانت معلوماتها تلك مفيدة لها أثناء لقاءاتها مع مارغريت ثاتشر أثناء حرب الفوكلاندز. لاحقا، تعاملت الملكة مع رؤساء وزارات ولدوا بعد توليها العرش، مثل توني بلير وغوردن براون وديفيد كاميرون وتريزا مي وبوريس جونسون.

كما يذكر ثورب، الذي ألف العديد من الكتب حول رؤساء الوزارات البريطانية، ومنهم سيلوين لويد وأنتوني أيدن وهارولد مكميلان وألِك دوغلاص هيوم، عن رئيس الوزراء العمالي الأول في عهد الملكة الراحلة، هارولد ولسون، قوله إن الملكة تُقدِّر عالياً رؤساء الوزارات الذين خدموا في الجيش وتنسجم معهم، لذلك كانت علاقتها قوية مع رئيس الوزراء العمالي، جيمز كالاهان، الذي خدم في البحرية البريطانية، كما فعل زوجها الأمير فيليب. ويذكر ثورب عن كالاهان قوله إن الملكة تتعامل بود مع رؤساء وزاراتها، لكنها لا تقيم صداقات معهم (Friendliness not friendship).

كان العاهل البريطاني يتمتع بصلاحيتين حصريتين، هما اختيار رئيس الوزراء وحل البرلمان. لكن هاتين الصلاحيتين لم تمارسهما الملكة إليزابيث، إلا بعد نصيحة من الحزب في الأولى، ومن رئيس الوزراء في الثانية.

وإن كانت قد بدت وكأنها تختار رئيس الوزراء، خصوصا عندما كلفت هارولد ماكميلان وألِك دوغلاص هيوم بتشكيل الحكومة، فإن مثل هذا الإجراء لم يعد ممكنا بعد عام 1965 عندما أقر حزب المحافظين نظاما داخليا له ينظم انتخاب الزعيم.

كذلك فإن “قانون تحديد فترة الولاية” لعام 2011، الذي سنته حكومة ديفيد كاميرون، قد سلب فعليا من الملك حق حل البرلمان، لأن هذا القانون حدد ولاية البرلمان بخمس سنوات، تنتهي ذاتيا بعد انقضائها، لكن الملك يجب أن يؤكد حل البرلمان عندما ينصح بذلك رئيس الوزراء قبل انقضاء ولايته المحددة بخمس سنوات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.