داود السلمان يكتب | كتّاب شكلوا علامة فارقة (3-5)

0 323

5:سارتر
كان ذلك اليوم يوم صيف من تسعينيات القرن المنصرم، من العام الذي فرضت فيه الولايات المتحدة الأمريكية، حصارها الظالم على شعبنا العراقي.
وقعت بين بيديّ رواية “دروب الحرية” بأجزائها الثلاث، للكاتب جان بول سارتر، فقرأتها بفترة وجيزة، أي أقل من الفترة التي كنت أنجز فيها عادة قراءة كتب أخرى.
الثلاثية كانت عبارة عن سرد أدبي طويل لقصة وصف فيها الهموم البشرية العاطفية والفكرية والسياسيّة، أمام أهم مسألة وجودية، ألا وهي الحرية، تلك البذرة التي يتعطش لها كل ظامئ، وما يتبعها من التزام ومسؤولية تجاه المجتمع والتاريخ.
ومن خلالها استطاع سارتر أن يجعل فلسفته الوجوديّة في متناول القرّاء باختلاف ثقافاتهم، إذ أنّه صاغها في قالب روائي يسهل هضمها.
العمل الذي جُعل أن يطلقوا عليه فيلسوف الوجودية، هو المنجز الذي ابدعه في مجال الفلسفة “الوجود والعدم”. وكان في حينه أفضل عمل صدر بهذا الخصوص، إذ تناوله مجموعة من النقاد والفلاسفة بالنقد والتمحيص.
ومن المواقف الطريفة التي قد تُحسب له، أنّه عام 1980 منحت اللجنة المشرفة على جائزة نوبل، هذا العام إلى سارتر على اعتباره افضل من يستحقها هذه السنة، إلّا أنّه رفض قبولها، بذريعة إنّ المبدع من غير اللائق أن يمنح لأجل ابداعه جائزة على ما قدّم، كون الذي يقدم الابداع، بكافة عناوينه، لم يكن ينتظر اعطاء المُنح والجوائز، بقدر ما كان شغله الشاغل هو قيمة العمل الذي يقدمه للبشرية، وبه يرضى طموحه النفسي.
لم يسعفن الحظ بقراءة الكثير مما كتبه هذا الرجل من ابداع، الفلسفي والأدبي والمسرحي، إلّا ما قرأته لكُتّاب ونقّاد من مقالات وبحوث عنه فهو كثير، واستشفيت أن معظم الذين تناولوه بالنقد، من الذين سلطوا الضوء على فلسفته، اكثر من الذين تناولوا الجوانب الأدبية منها، واعتقد لأنّ الفلسفة طغت على جُل اعماله اكثر من الجانب الأدبي؛ بحسب رأيي، حيث أخذت الحيز الكبر من ذلك، خصوصًا وجوديته التي وصفوها بالملحدة، إذ سبق سارتر كير كيجارد بهذا الاطار، وهذا الأخير كان لا ينكر وجود مصمم للكون، ابدعه وخلقه من عدم، لكنّ اختلافه كان مع رجال الدين، فهم باعتقاده استغلوا الدين لمصالحهم الخاصة، وجعلوا الدين مطية يمتطونها لنيل مآربهم.
ولا نريد أن نقول إنّ كتاباته الأدبية أقل شأنا من الكتابات الفلسفية التي نظر فيها للإنسان، واعده المحور الأهم في هذا الوجود، وهذا الكون المترامي الاطراف.
الوجودية السارترية ترى أنّ الوجود يسبق الماهية، أي وجود الإنسان قبل الماهية؛ ففي “دروب الحرية” اراد سارتر أن يطبق الوجودية عمليًا اكثر مما أراد في “الوجود والعدم” فالأول كان الطرح ادبيًا، وفي الثاني كان طرحًا فلسفيًا محض.
6: كافكا
الغرائبية هي السّمة العامة التي تتسم بها أعمال كافكا؛ فهو أديب التشاؤم والسوداوية، كما يصفه بعض النقاد.
إنّ الأفكار والأطر الذهنية التي يطرحها، في كل أعماله، لا يبوح بسرها للعلن، أو يوضحها بيسر وسلاسة، وانما يرمز لها برموز، حتى نستطيع القول بأنه كاتب الرمزية، هذا بالإضافة إلى السّمات والنعوت الأخرى، التي عُرف بها.
فأنت، حين تقرأ له، وتتعايش مع رواياته وقصصه، ستشعر بالصداع، وتعيش في دوامة، كأنك لست في هذا الكوكب الذي نعيش على سطحه، وليس هذا فحسب، بل أنّه يجعلك تشعر بالسأم والملل، وتكره حتى المحيط الذي تعيش فيه، وأن كل الذي يدور من حولك هو عبارة عن تفاهات، وواقع أليم يفترض بك أن ترفضه.
الأعمال التي قرأتها له هي” تحريات كلب، القلعة، المحاكمة، المسخ، ورسائل إلى ميلينا”.
ويظهر الكاتب في هذه الأعمال بأنّه كاتب غير تقليدي، فهو لا يشبه أي أحد، سوى نفسه. ومن هذا حاول الكثير من الكتاب والروائيين أن يقلدوه في طريقة كتابته، والحذو حذوه، فأصاب معظمهم النجاح، وشق طريقه في تقديم نتاجه الفكري والابداعي.
فالذين تأثروا به كثير، ومنهم على سبيل المثال، البير كامو إذ كتب “الغريب” و”الطاعون” و “الإنسان المتمرد”. وكلّ هذه الأعمال كُتب لها النجاح، ومن الذين تأثروا به، أيضًا الروائي جبرا ابراهيم جبرا، وقدم أعمال روائية لاقت نجاحًا باهرًا، ومنها روايته “صراخ في ليل طويل”.
وبخصوص الغرائبية والكابوسية التي يكتب بها، متذرعًا بما يعده مناسبًا للوضع الذي يعيشه الإنسان اليوم، من ضياع وتغريب نفسي، ويروم طرحه يقول: “إذا كان الكتاب الذي نقرأه لا يوقظنا بخبطة على جمجمتها، فلماذا نقرأ إذن؟ إننا نحتاج إلى تلك الكتب التي تنزل علينا كالصاعقة، التي تجعلنا نشعر وكأننا طردنا إلى الغابات بعيدًا عن الناس، على الكتاب أن يكون كالفأس التي تحطم البحر المتجمد في داخلنا”.
وفي قصة “المسخ” التي شكلت لديّ حضورًا كبيرًا، هذا مفادها: “غريغور” الموظف الشاب البسيط، يقضي ليلة حافلة بالكوابيس والأحلام الثقيلة المزعجة. وحين يصحو يجد نفسه وقد تحول إلى حشرة كبيرة، فقرر أن لا يخرج من غرفته، فيفضل البقاء منعزلا، فلا يسمح لأحد بالدخول، سوى شقيقته، التي راحت تعتني به وتقدم له الطعام، وتنظف له المكان. إلا أنه قطع المأكل والمشرب، قطعا تاما حتى أشرف على الهلاك، ثم أن دائرته بعثت مبعوثا خاصا له، لتقصي الحقائق عن غيابه المفاجئ، فلم يسمح له بالدخول، وما هي إلّا أيامًا حتى فارق الحياة، فحزن عليه الأب والأم والشقيقة.
وهي نهاية القصة الطويلة.
هنا، في هذه القصة، ماذا أراد أنّ يقول لنا المؤلف؟، وماذا يروم أن يوصل من رسالة؟.
نعتقد أنه أراد أن يصف متاهة الحياة، وضبابية الوجود، والإنسان، بين هذا وذاك، هو عبارة عن حشرة صغيرة في هذا الوجود المترامي الأطراف، فضلاً عن المتاهات التي يعيشها، يوميًا، وهو لا يدري ما هي الجدوى من كل هذا، فيضمحل، بالتالي، وينتهي دوره في هذه الحياة، وهو مغلوب على أمره.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.