رامى جلال يكتب | الحواس تخدعنا أحيانًا

0 828

يُروى عن عامل فى أحد المصانع أنه كان يغادر مصنعه فى نهاية كل يوم وهو يجر عربة يد مملوءة بالقش، فيقوم حراس الباب بتفتيشها تفتيشاً دقيقاً دون أن يعثروا فيها على أية ممنوعات، وأخيراً، وبعد فترة طويلة، تبين أن العامل يسرق عربات اليد نفسها!!

الوهم هو تشوه للحقائق يتشاركه الناس كافة، بسبب خلل فى عملية تلقى الحواس البشرية لما يحيط بها. ولذلك يُقال إن الحواس تخدع الإنسان أحياناً، فأى جسم مستقيم مغمور فى الماء ستراه العين مكسوراً بفعل ظاهرة انكسار موجات الضوء، كما أن أى عين لن ترى لوحاً زجاجياً شفافاً ونقياً، رغم أن وجوده حقيقة دامغة لا جدال فيها. أما الأذن فمفهوم أنها لن تسمع الأصوات الخافتة لكنها لن تسمع كذلك الأصوات شديدة الارتفاع والتى تتخطى نطاقاً ترددياً معيناً (بين 20 إلى 20 ألف هرتز). كما أن حواسنا قد لا تُدرك أشياء مهمة، فنحن لا نشعر بحركة دوران الأرض مثلاً.

رغم أن حواسنا تخدعنا، فإنها بشكل عام وفية ولا ترضى أن تفارقنا، فمثلاً عندما يفقد شخص ما أحد أطرافه يعانى مما يُعرف بـ«الأعراض الشبحية»، حيث يظل شاعراً بوجود طرفه المفقود، وهى أعراض تصل لدرجة الشعور بالاهتزاز والوخز والالتواء فى أطراف لم تعد موجودة أصلاً!

وهناك أغنية بديعة كتبها «فتحى قورة»، ولحنها «منير مراد»، وغنتها «شادية» تقول: «دوّر عليه تلقاه». وفيها جملة تقول: «قدام عينيك وقريب ولا أنت حاسس بيه». والواقع أن الأشياء قد تكون ظاهرة وواضحة، ولكنها فى الوقت نفسه متخفية بعناية. فكثيراً ما يكون الشىء أمام العين ولا نراه! ويقول «الإمام البوصيرى» فى بردته: «قد تُنكر العين ضوء الشمس من رمد، وينكر الفم طعم الماء من سقم). فالحواس بالفعل تخدع.

الحواس وحدها لا تقود للحقائق، لكن إعمال العقل يقود إليها، فحولنا الكثير من الأمور التى قد لا نراها، أو نراها ولا نعرف قيمتها، أو نراها ونقدرها وهى بلا قيمة! مطلوب إعمال العقل والتعقل فى استخدام الحواس لأنها ستسارع فى خداعنا مع أول فرصة. ولذلك يرى الكثير من الفلاسفة أن الاعتماد على الحواس بمعزل عن العقل ينتج ظنوناً وليس حقائق، ولذلك قال «رينيه ديكارت»: «الحواس تخدع من آن لآخر، ومن الحكمة ألا تثق تماماً فيمن يخدعك».

منذ فترة، وفى جامعة طوكيو باليابان، طوّر باحثون نظاماً عبارة عن خوذة تُغطى العينين ويتم توصيلها بمصادر روائح عطرية مختلفة، وذلك بهدف خداع النظر من خلال ما يُعرف بتقنية «الواقع المعزز»، وهو ما يؤثر تلقائياً فى حاسة التذوق. ما قد يتيح خداع إنسان وإقناعه بأنه يأكل ثمرة مانجو مثلاً، فى حين أنه يلتهم صدر دجاجة!

عموماً لا تحزن، فقد يمر خطأ ما على عشرات الملايين من البشر ومع ذلك لا ينتبهون له، فالكثير ممن قرأوا رواية «ذهب مع الريح» لم يلاحظوا أنها تحوى خطأ كبيراً يتمثل فى وفاة زوج (ميلانى) فى معركة «جيتسبرج» (تاريخ المعركة هو: الأول من يوليو 1863)، وميلاد طفلها منه خلال حصار أتلانتا (تاريخ الحصار هو: الأول من سبتمبر 1864). وحين تحدث ناشر الرواية مع المؤلفة «مارجريت ميتشيل» عن هذا الخطأ قالت له: «دعنا نأمل أن تستولى القصة على مشاعر القراء بحيث لا يكتشفون هذا التناقض الزمنى»! وفى مرة أخرى قالت: «نساء الجنوب يأخذن وقتاً طويلاً فى العادة»!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.