رامي جلال يكتب | التطويق في قطار التقدم

0

كانت الإمبراطورية الإنجليزية أول من استخدم السكك الحديدية، وتم إنشاء السكك الحديدية فى إنجلترا أواخر القرن الثامن عشر. ومنذ ذلك التاريخ أصبح للقطار مكانة كبيرة فى وجداننا ولذلك نربطه بأمور مهمة فنقول: «قطار العُمر» و«قطار الزواج»، ولا يحدث هذا مع الطائرة أو التاكسى مثلاً، وحتى من يتحدثون عن «عربة العُمر» فهم يقصدون عربة قطار، وفى الرياضة حين تفوز أحد الفرق الرياضية لمرات عديدة نتحدث عن «قطار الانتصارات»، وحتى مجرمينا أسماؤهم: «التوربينى» و«القشاش».. عموماً من الواضح أن سير الحياة باتجاه واحد على قضبان هو فكرة تستهوى الجميع.
للقطارات قصص وحكايات حول العالم.. كان البريطانى «لورد هاليفاكس» حاكماً للهند أواخر العشرينات، وقد استقل القطار ذات يوم من «لندن» لمدينة «باث» فى الجنوب الإنجليزى، وتصادف أن جلس فى العربة مع سيدتين مسنتين لم تنطقا بكلمة طوال الرحلة. وقبيل الوصول بقليل، مر القطار بأحد الأنفاق، وحينئذ وضع «هاليفاكس» ظهر يده على شفتيه وأصدر صوت قبلات عالية، وبعد دقيقة خرج القطار من النفق ووصل إلى وجهته، فوقف صاحبنا وقال قبل أن يخرج من العربة: «من منكما صاحبة هذا الفضل علىَّ؟»، ثم غادر تاركاً السيدتين تنظران إلى بعضهما فى ذهول.
وصلت تلك القصة لأمريكا فتم تعديلها وأصبحت تحكى عن شاب أمريكى جلس فى عربة قطار مع فرنسى وسيدة مسنَّة وشابة جميلة، ومر القطار بنفق، وعمَّ الظلام، استمع الجميع لصوتى قُبلة ثم طرقعة صفعة. خرج القطار من الظلام، فبدا وجه الفرنسى أحمر بفعل الصفعة، فقالت السيدة العجوز لنفسها: «يا لها من شابة محترمة، حاول الفرنسى تقبيلها فأخذ جزاءه فوراً». وقال الفرنسى لنفسه: «هذا الوغد الأمريكى حاول تقبيل الفتاة وتلقيت أنا الصفعة عنه». أما الشابة فأصابها الذهول وحدثت نفسها قائلة: «لماذا يحاول الفرنسى تقبيل تلك العجوز ويتركنى؟». أما الشاب الأمريكى فقد ابتسم وقال لنفسه: «حقاً إننى لداهية؛ قبَّلت كفَّ يدى ثم صفعت هذا الفرنسى اللعين على وجهه».
خبرتى مع القطارات ليست كبيرة، لكننى كنت أحد أطراف موقف حدث فى يوم ممطر حين كنت متجهاً لزيارة الإسكندرية، ومن خلال نافذة القطار، رأيت وجهين غطاهما المطر والدموع، تشابكت الأيدى فى لحظة وداع توحدت فيها أحاسيس الفراق قبيل تحرك القطار، صعدت هى وتركته وراحت تلاحقه بعينيها عبر نوافذ العربة، نافذة نافذة، حتى وصلت أمامى ثم جلست فى مقعدها المجاور لى، وتلاقت عيونهما من خلال النافذة حتى ابتعد القطار عن الرصيف.. دمعت عيناها ثم راحت فى تأمُّل صوفى طويل قطعه المفتش عندما طلب منها الاطلاع على التذكرة ثم استأذنت هى أن تقرأ جريدتى فشجعنى هذا على أن أبادلها الحديث، كلمتنى بتحفظ عن نفسها ثم أفاضت.. قُبيل «طنطا» كنا نتبادل الضحكات وأرقام التليفونات.. وأنا أهم بالنزول خطر لى خاطر فسألتها عن صاحب الوداع الحار فى باب الحديد فقالت: «سيبك منه، ده كان قاعد جنبى فى القطر وأنا جاية من الصعيد».
أهم قطار لا بد أن يشغلنا هو «قطار التقدم»، وهو قطار سريع لكن من الممكن أن نتعلق به (عملية شعبطة)، أو نركب فوقه (عملية تسطيح)، أو ندخل إليه بلا تذكرة وندفع الغرامة (عملية تطويق). فأى دولة بدائية قد تشترى التكنولوجيا وتدعى التقدم، لكنها ستبقى فى النهاية بلا ثقافة موازية، فيتم استخلاص أسوأ ما فى التكنولوجيا، مثل أن يتحول الإنترنت لمصدر للإباحية.. وإن كان للتقدم قطار، فللحضارة ركاب، فنقول «ركاب الحضارة»، وهو يضم أعضاء لكل منهم حيزه الخاص.. فأين نحن؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.