رامي جلال يكتب | المسرح الذي كان

0 58

أقوم منذ سنوات بتدريس علوم المسرح بالجامعة، تمثيل وإخراج ونقد وكتابة، ومارست بنفسي كل هذه الأمور: تمثيلًا وإخراجًا ونقدًا وكتابة، إلى أن تخصصت منذ سنوات في موضوع السياسات الثقافية من مقاربة حوكمة الثقافة واقتصادياتها. وكان المسرح أحد أهم أدوات مصر في صناعة قوتها الثقافية الشاملة، وجزء معتبر من ضعف المشهد الثقافى المصرى يتمثل فى أن مصر العظيمة ليس بها كلية واحدة للمسرح وعلومه! جمهورية مصر العربية كلها بها بضعة أقسام للمسرح فى كليات الآداب أبرزها: قسم الدراسات المسرحية بجامعة الإسكندرية، وقسم الدراما والنقد المسرحى بجامعة عين شمس، وقسم علوم المسرح بجامعة حلوان، وآخر قسمين معنيين فقط بدراسة النقد، وليس بهما شُعب للتمثيل أو الإخراج. وكل ما سبق، فضلًا عن المعهد العالى للفنون المسرحية (وهو تابع لوزارة الثقافة، وله حسابات مختلفة وقصة أخرى نرويها لاحقًا).
قادت مصر قطار القوة الناعمة اقليميًا، بثقلها الثقافي العالمي، ليس من ستينيات القرن الماضى فقط، كما يروج البعض، وهذ تدليس ، ولا حتى منذ بداية عهد محمد على باشا فحسب، كما يظن البعض، وهذه مغالطة، بل منذ آلاف السنين وقوة مصر الناعمة تشع من وادى نيلها الخصب.
يمكننا القول إن مظاهر الثقافة المصرية تنحصر الآن فى محيطنا الإقليمى وفى مجالنا الحيوى الآن، الخطير هنا أن ضياع أو اضمحلال ثقافة أى دولة يشبه تمامًا تفكك مؤسساتها ووقوفها دون أية دروع واقية. مصر بلا ثقافة، لا قدر الله، ستكون دولة كبيرة الحجم كثيفة السكان بلا أى تأثير يذكر، وهناك أمثلة حالية على مثل تلك الدول، وبالتالى فلا يجب السماح بذلك أيًا كانت التكاليف.
يؤدى غياب كليات مستقلة للمسرح إلى ثلاثة أمراض مباشرة، وعدد كبير من الأعراض الجانبية. المرض الأول هو إضعاف المسرح المصرى عمومًا، وهو ما حدث بالفعل، أقصى ما نفعله الآن هو تقديم “اسكتشات” ضاحكة كتلك التى كانت تُقدم فى كازينو “بديعة مصابنى” بين الفقرات منذ مائة عام بالتمام والكمال!. (هو بالمناسبة تجربة فنية رائدة ومهمة).
المرض الثانى هو أنه لا توجد لجان ترقية علمية لأساتذة أقسام المسرح بكليات الآداب! وعبر عشرات السنين كان هؤلاء الأساتذة يُرقون عبر لجان ترقية أقسام اللغة العربية، وهى لجان محترمة ومرموقة وبلا أية علاقة بالمسرح وتقنياته، وهى تُقيم الأساتذة بمعايير اللغة العربية، ومدى الإضافة للآداب وليس للمسرح ذاته. وترتب على ذلك مجاملات ضخمة جعلت من البعض أساتذة بأبحاث ترقية يخجل تلميذ مدرسى من تقديمها، أو على الجانب الآخر تعنت شديد دون مبرر ضد البعض لأسباب غير معلومة.
المرض الثالث هو صعوبة التحاق خريجى أقسام المسرح بكليات الآداب بنقابة المهن التمثيلية، لأنه يُنظر لهم كونهم دارسى مسرح وليس “ممارسى مسرح”، وفى هذا إجحاف كبير، وقد تم الآن حل المشكلة (خصوصًا مع خريجى آداب الإسكندرية التى أفرزت مئات الممثلين الجيدين)، لكن تلك الحلول ليست مستدامة بل خاضعة لشخص وطبيعة نقيب الممثلين.
من التأثيرات السلبية غير المباشرة، والمدمرة، لتغييب مأسسة تدريس المسرح هى: غياب أى جهة لتأهيل كُتاب السيناريو، وبالتالى رواج “ورش الكتابة” التى يمثل بعضها مجموعات عمل لسرقة الأعمال الأجنبية وإعادة إنتاج ما أنتجه الآخرون دون النظر لأى سياقات مفيدة لمجتمعنا أو قادرة على التأثير فى الآخرين، ثم نتكلم بعد ذلك عن “ضعف الورق”. كما أن غياب كليات المسرح يساعد فى انتشار ورش التمثيل التى لا يشرف عليها أحد.
فى حياتنا عدد لا بأس به من “الجدليات البائسة”، وهى إشكاليات تجرى مناقشتها على سبيل إضاعة الوقت، بينما أى تفكير منطقى لدقائق يحتم علينا التوقف عن هذا العبث لأن المواضيع المحسومة تمثل مناقشتها عملية تحويل انتباه عن أمور أهم أو عن التعمق فيها هى ذاتها. المسرح، أبو الفنون مهم جدًا، صحيح أنه فقد جزءًا من نفوذه وقطاعًا من مريديه، لكن لايزال محتفظًا بسحره وتأثيره وقدرته على إحداث الفارق، ودعم الصورة القومية للدولة… اهتموا بالمسرح وبالثقافة، فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.