رامي عبد الباقي يكتب | انقذوا مصر من المضادات الحيوية (1-3)

0 283

قد يبدو عنوان المقالة صادمًا للبعض ولكنها الحقيقة
مصر في خطر كبير وداهم ومصدر الخطر هنا هو المضادات الحيوية !!!
ليست مصر بمفردها بل العالم بأسره معرض لذلك الخطر والذي في طريقه ليزيح جائحة ال كوفيد-19 من عرشها ويتبوأه بدلا منها
لتقلل قليلا من انزعاجك فلا يوجد أمرا يشوب أي نوع من المضادات الحيوية في السوق المصري ولكن الخطر هنا يتعلق بسوء استخدام المضادات الحيوية
ولكن قبل أن نبدأ حديثنا عن ذلك الخطر لنرجع قليلا إلى التاريخ علّنا نستفيد
من المفارقات الغريبة أنه خلال الحرب العالمية الأولى لم تكن الحرب ذاتها أو الإصابات الناجمة عنها هي المسؤول الأول عن أعداد القتلى المهولة بل كانت الأمراض والعدوى الجرثومية الناتجة عن الإصابات .. لكن خلال الحرب العالمية الثانية كانت الإنسانية على موعد مع اكتشاف غيَّر مجرى الأحداث تماماً وقفز بالطب إلى مستوى جديد حيث تراجع عدد الوفيات بالالتهابات الجرثومية المختلفة بشكل دراماتيكي وعلى سبيل المثال لا الحصر تقلصت أعداد المصابين بالالتهاب الرئوي الجرثومي من 18 % إلى قرابة ال 1 %
فماذا كان ذلك الاكتشاف السحري ؟؟
في العام 1928 تم اكتشاف العقار السحري المستخلص من العفن من طرف الطبيب البريطاني ألكسندر فليمنغ ليصبح فيما بعد أحد أكثر الأدوية الناجعة وذلك عن طريق الصدفة البحتة بعدما عاد من سفره ليتفقد مزرعة البكتيريا التي وضعها بمختبره ليجد أنه نسيها بالخارج .. وعند تفقدها وجد هالة بيضاء تقوم بوقف انتشار البكتيريا ليكون بذلك قد اكتشف أول مضاد حيوي والذي أطلق عليه اسم البنسيلين
استنتج فليمنغ أن الفطر الذي نما هو فطر البنسليوم (Penicillium notatum) ويحتوي على بكتيريات تنتج مادة كيميائية قاتلة للجراثيم أطلق عليها اسم البنسيلين أي العقار المستخلص من العفونة واختبر فليمنغ هذه المادة الكيميائية ووجد أنها قادرة على قتل أنواع مختلفة من البكتيريا وليست سامة للإنسان أو الحيوان
لكن رغم نشر فليمنغ لأبحاثه في العام 1929 إلا أنها لم تنجح في لفت الأنظار إلا بعد عشر سنوات وذلك على يدي الباحثين البريطانيين هوارد فلوري وإرنست تشين اللذان تمكنا من استخلاص الشكل المثالي للبنسيلين
وأخيراً في العام 1941 تم استخدامه على المرضى وأثبتت النتائج أن هذا العقار في غاية الأهمية لتولد في تلك اللحظة حادثة من أهم الحوادث في التاريخ البشري المعاصر ولكن كعادة غالبية الأحداث المفرحة فإنها لا تدوم كثيرا
كان ألكسندر فليمنغ أثناء تسلمه لجائزة نوبل في الطب في العام 1945 أشار بشكل مبكر لأحد الأخطار الكبرى التي قد تجعل من هذا الاكتشاف عقاراً غير ذي جدوى ويعيد البشرية لنفس النقطة السابقة وإلى مرحلة ما قبل اكتشاف المضادات الحيوية وهي المرحلة التي قد تؤدي الإصابة بأي عدوى بها إلى الوفاة
أبدى فليمنغ حينها وهو يستلم أرفع جائزة في مجال الطب قلقه البالغ من إمكانية تطوير الجراثيم لطرق مقاومة تجعلها منيعة ضد البنسيلين وتبين فيما بعد أن قلق فليمنغ سيصبح أحد أكثر المخاوف والتحديات التي ستواجه الإنسانية في مجال الطب والبيولوجيا فبعد عدة عقود فقط من الأعمال المخبرية الأولى على المضادات الحيوية حدثت الكارثة التي توقعها فليمنغ
أصبحت بعض السلالات البكتيرية مقاومة بالفعل للبنسيلين وعادت الأمراض والعدوى الجرثومية لتشكل تحديا من جديد
وعاد الخطر مرة أخرى ولكننا في هذه اللحظة لم نكن نعرف أن الخطر سيصبح أشد فتكا من المرة السابقة
وهو ما سنتحدث عنه في مقالنا القادم إن كان في العُمر بقية.
* رامي عبدالباقي، عضو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.