رشا أرنست تكتب | تعزيز الصحة النفسية لكبار السن

0 488

تشير تقارير الأمم المتحدة إلى التغير الجذري الذي طرأ على التركيبة السكانية في العالم في العقود الأخيرة. ففي الفترة ما بين عام 1950 وعام 2010، ارتفع العمر المتوقع للإنسان في جميع أنحاء العالم من 46 عاما إلى 68 عاما، ويتوقع أن يزيد ليبلغ 81 عاما بحلول نهاية هذا القرن. وللمرة الأولى في تاريخ البشرية، سيزيد عدد الأشخاص الذين تجاوزوا الستين عن عدد الأطفال في العالم في عام 2050. ستكون زيادة عدد كبار السن أكثر وأسرع في بلدان العالم النامي، وستصبح آسيا المنطقة التي تضم أكبر عدد من كبار السن، وتواجه أفريقيا أكبر زيادة متناسبة في هذا الصدد.
في ظل هذه المؤشرات الهامة نتأمل الخدمات المقدمة لكبار السن وسياسات الحماية الإجتماعية والرعايا الصحية في دول العربية ومنها مصر. ورغم تزايد عدد دور رعاية المسنين بمصر، إلا أنها لا تكفي لإستيعاب الأعداد الضخمة طالبي الخدمة سنويا، وفي ذات الوقت، فان ضعف جودة الخدمات والأنشطة المقدمة لم يساهم في تشكيل صورة ذهنية إيجابية في وجدان المصريين حتى بدور الرعاية الخاصة التي تأخذ مقابل خدماتها آلاف الجنيهات شهريا.
ومع تقدم العمر تتغير السمات الشخصية للإنسان وتتغير احتياجاته وطرق التعبير عنها، ولغة التواصل لديه، فما كان يتقنه بالأمس لم يعد له فائدة اليوم، فيلجأ إلى أساليب تواصل جديدة، كالحكي المستمر عن الماضي مثلا وتقديم النصائح لمن حوله في أي موقف، لكن في الغالب لا تنجح هذه اللغة مع المحيطين وتسبب لهم الإزعاج. هذه اللغة ليست فقط للتواصل ولكنها للتعبير عن وجوده، ولسان حاله يقول “أنا هنا، أنا موجود”. وتتضاعف هذه المعاناة في حال كان المسن من ذوي الإعاقة، ونجده يحتاج إلى خدمات مُضاعفة مع ازدياد نسبي في صعوبة التعبير عن إحتياجاته.
اللجوء لدور الرعاية أحد الحلول ولكنه ليس الأفضل مع ضعف جودة الخدمات وتزايد أعداد كبار السن سنويا، والأبحاث المستمرة في هذا الشأن توصي بحلول إضافية أو بديلة لدور الرعاية لرفع جودة الخدمات من ناحية، وتنمية جودة حياة كبار السن من ناحية أخرى حفاظا على الكرامة الإنسانية والترابط الإنساني.
وجاء ضمن آخر الأبحاث العربية في السنوات الأخيرة عن رعاية كبار السن، حيث قدم الباحث الكويتي عباس سبتي بحثا بعنوان “بناء فريق عمل تطوعي لرفع المعاناة النفسية عن كبار السن من الجنسين”، أشار فيه إلى أن فريق من المتطوعين قد يسهم في تخفيف آلام المرض لدى المسن إلى جانب توجيه النصح له والشعور بوجود أشخاص بجواره يهتمون به قد يزيل أو يخفف من الآلام، ويمكن أن يقوم الفريق التطوعي بزيارة الشخص المسن في المنزل أو المستشفى أو دار الرعاية بل قد يتصل أحد أعضاء الفريق بالمسن وبشكل دوري. إلى جانب ذلك يوفر الفريق التطوعي البرامج والأنشطة بهدف تخفيف المشكلات النفسية عن المسنين مثل مشكلات القلق والإحباط والوحدة والعزلة والاكتئاب .
كما يعرض الباحث بعض المواقع الإلكترونية باللغة الإنجليزية، أهتمت بالحالة النفسية لكبار السن وذوي الإعاقة، منها برنامج “Bolton” يسمى برنامج “الصداقة عبر الهاتف” ويهدف إلى تخفيف وطأة الشعور بالوحدة والعزلة من خلال تدريب عدد من المتطوعين على إجراء المكالمات التليفونية الأسبوعية وبشكل منتظم. تجرى المكالمات في العادة بين 15-20 دقيقة كل أسبوع لكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة الذين يصعب عليهم مغادرة أماكن إقامتهم، ويفضلون الدردشة العادية عبر الهاتف.
هذه الأفكار التي يقدمها الباحث وعشرات غيرها تستحق الدراسة والتجربة من أجل حياة أكثر إنسانية لكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة منهم الذين لا يُغادرون منازلهم أو المقيمون بدور الرعاية.
عام 2014 كشفت أحدى الدراسات عن أن الانخراط بالعمل التطوعي، خاصة لكبار السن، يعمل على تعزيز صحتهم وإعطائهم طاقة إيجابية، حيث وجد ارتباط العمل التطوعي يخفض أعراض الاكتئاب، وتحسين الصحة العامة، فضلا عن تقليل القيود الوظيفية وزيادة عمر الإنسان. وأوضح نيكول أندرسون، من جامعة “تورونتو” الكندية، أن الدراسة ترسم صورة مقنعة للعمل التطوعي، باعتبارها عنصرا مهما للحفاظ على نمط الحياة الصحية فى سنوات لاحقة.
وأكد الباحثون على أهمية وفائدة انخراط كبار السن فى العمل التطوعي لفوائده على صحتهم النفسية والعقلية مع التقدم بالعمر. أن نتائج هذا البحث يمكن أن تشكل سياسة الحكومات تجاه مشاركة كبار السن في الأنشطة التطوعية الأمر الذي يمكنه تقليل الاعتماد على نظام الرعاية الصحية.
رعاية كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة الغير قادرين على رعاية أنفسهم حق إنساني ودستوري، وتقديم الخدمة لهذه الشريحة من المواطنيين في مصر والدول الأخرى من الممكن أن يدمج ليشمل قطاع واسع، فتقل التكلفة وترتفع جودة الخدمة، وتكون الدولة قد قدمت أهم أدوارها ألا وهي حياة كريمة للمواطنين الغير قادرين.
زيادة عدد دور الإقامة وارتفاع جودة مبانيها وخدماتها من الحلول الضرورية واللازمة لرعاية كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة خاصة الذهنية والمتعددة الذي ليس لهم أحد يرعاهم، لكننا في عصر تسود فيه التكنولوجيا التي تزيد من عزلة الإنسان، ولا يسعنا الحديث عن تطور رعاية أو خدمة ما دون الإشارة إلى إعادة ترسيخ مفاهيم إنسانية وأسرية من جهة وإيجاد بدائل من جهة أخرى، ومن هنا أقترح مراجعة المناهج الدراسية في مراحل التعليم الأساسي بما يرسخ ثقافة احترام الإختلاف، ويراعي احترام كرامة المسنين والأشخاص ذوي الإعاقة، مع ضبط المصطلحات والمفاهيم، وإضافة مفاهيم حقوقية لخلق صورة ذهنية إيجابية تجاه كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة عند الأطفال.
هذا بالإضافة إلى ضرورة التخطيط لبرامج تطوعية وثقافية تستهدف كبار السن، وتستفيد من خبراتهم واستعدادهم للقيام بالمزيد وتعطيهم الاحساس بالقيمة والوجود. فضلا عن تنشيط ذاكرتهم للحدّ من الإصابة بالأمراض من خلال الأنشطة الثقافية والترفيهية، والفنية لما لها من تأثير نفسي إيجابي وتزيد الإحساس بالجمال والإبداع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.