زهران جلال يكتب | نبوءة الجمهورية الجديدة

0 1٬743

أرسل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين لعمرو بن العاص عند فتح مصر برسالة يسأله عن أوضاع البلاد قائلا: “أمَّا بعد يا عمرو. إذا أتاك كتابى فابعث إلى جوابه، تصف لى مصر ونيلها وأوضاعها، وما هى عليه حتَّى كأننى حاضرها”.
فكتب عمرو بن العاص يشرح أحوال مصر “أمَّا بعدُ، يا أمير المُؤمنين. فإنَّها تُربةٌ غبراء، وحشيشةٌ خضراء، بين جبلين، جبلُ رملٍ كأنَّهُ بطنٌ أقبّ وطهرٌ أجبّ. ورزقُها ما بين أسوان إلى منشأ من البر. يخطُّ وسطها نهرٌ مُبارك الغدوات، ميمونُ الروحات، يجرى بالزيادةُ والنُقصان، كمجارى الشمس والقمر. لهُ أوان تظهر إليه عُيونُ الأرض ومنابعها، مُسخِّرةً له بذلك ومأمورةٌ له. حتَّى أطلخمَّ عجاجه، وقفطفطت أمواجُه، واغلولوت لُججه، لم يبقَ الخَلاصُ إلى القُرى بعضها إلى بعضٍ، إلَّا فى خفاف القوارب، أو صغارُ المراكب، التى كأنَّها فى الجبائل ورق الأبابيل. ثُمَّ أعاد بعد انتهاء أجله نكص على عقبه، كأوَّل ما بدا، فى دربه وطما فى سربه. ثُمَّ استبان مكنونها ومخزونها. ثُمَّ انتشرت بعد ذلك أُمَّةٌ مخفورة، وذمَّةٌ مغفورة لِغيرهم ما سعوا به من كدِّهم وما ينالوا بِجُهدهم، شعثوا بُطون الأرض وروابيها. ورموا فيها من الحبِّ ما يرجعون به من التمام من الربّ، حتَّى إذا أحدق فاستبق وأسبل قنواته. سقى الله من فوقه الندى، ورواه من تحت بالثرى. ورُبما كان سحابٌ مُكفهر ورُبَّما لم يكن.
وفى زماننا ذلك، يا أمير المُؤمنين، ما يُغنِّى ذُبابه ويُدبِّرُ حلابه. فبينما هى بريَّةٌ غبراء، إذ هى لُجَّةٌ زرقاء، إذ هى سُندُسيَّةٌ خضراء، إذ هى ديباجةٌ رقشاء، إذ هى دُرَّةٌ بيضاء، إذ هى حلَّةٌ سوداء. فتبارك الله أحسنُ الخالقين. والذى يُصلحُ هذه البلاد ويُقرُّ قاطنها فيها ثلاث أشياء: أوَّلها لا تقبل قول رئيسها على خسيسها، والثانى يؤخذ ثُلث ارتفاعها يُصرف فى عمارة ترعها وجُسورها، والثالث لا يُستأدى خراج كُلُّ صنفٍ إلَّا منه عند استهلاله. فإذا تقرَّر الحال مع العُمَّال على هذه الأحوال تضاعف ارتقاعُ المال، واللهُ المُوفِّقُ إلى حُسن المآل.
حقيقة وصفها عمرو بن العاص منذ مئات السنين، وتكشفت على مر التاريخ المصرى حتى وقتنا هذا كما رصدها المؤرخون فى مراحل عدة حتى بدء الجمهورية الأولى التى وضعت حجر الأساس بتحقيق العدالة الاجتماعية، بصدور قانون الإصلاح الزراعى لينتشل الفلاح من بئر الذل والهوان إلى قمة علياء رافعا رأسه يتساوى مع الإقطاعيين، وحرر الرئيس جمال عبد الناصر الفلاحيين والشعب المصرى من الذل والاستعباد، وبعد نجاح ثورة 23 يوليو وتحقيق أهدافها وعلى رأس أولوياتها كانت تأسيس الجمهورية الأولى بأن يعم الخير والتعمير والتوسع فى أرض مصرنا الغالية وإنشاء المدن الجديدة والمصانع وتحرير الشركات وإسنادها لملاكها الأصليين.

ودافع عبد الناصر عن الفقراء إلى أن حصلوا على حقوقهم كاملة وأباد أباطرة الإقطاع والفساد، وأصبحت كرامة مصر والمصريين فوق الجميع محليا ودوليا، لتمر السنين والأيام ليعود مماليك العصر الحديث وأباطرة الإقطاع الجدد الذين استباحوا قوت وأموال وأراضى الشعب المصرى بمساعدة الفاسدين من أهل النفوس الضعيفة لينهبوا ويستولوا على أكثر من ثلاثة ملايين فدان، ويصل الإرهابيون بخداعهم للشعب المصرى فى غفلة ليتاجروا بالدين للقضاء على الهوية المصرية ليصبح الوجه الثانى فى صورة إرهاب الإخوان والفساد الذى عم البلاد، لكن مشيئة الله أكبر من كل خائن ومفسد وإرهابى ليعيد التاريخ نفسه بعد أكثر من ستين عاما ليقود الرئيس عبد الفتاح السيسى بناء الجمهورية الجديدة بمبادرة حياة كريمة التى يستفيد منها أكثر من 50 مليون مواطن فى قرى وريف مصر من جنوبها لشمالها، من خلال تنمية شاملة فى وقت محدد يستفيد منها وبسواعد أبنائها أهالى القرى المحرومة منذ زمن بعيد.
وتهدف هذه المبادرة، التى تعد المشروع القومى الكبير للقيادة السياسية، لإنشاء وحدات صحية بالقرى المحرومة ومدارس وإحلال وتجديد خطوط شبكات المياه، وصرف صحى، وتبطين الترع والمصارف، وتوفير كافة الخدمات من إنشاء وحدات إسعاف ومطافئ، وكهرباء وغاز طبيعى، وغير ذلك الكثير.
لم تكن الجمهورية الجديدة متمثلة فى هذه المبادرة فقط، بل شملت تطوير وتسليح للجيش المصرى، ورفع قدرات وإمكانيات الشرطة المدنية، واستطاعوا القضاء على الإرهاب الغاشم، وسادت التنمية فى سيناء الحبيبة، وأعاد مصر لمكانها الصحيح فلم تقتصر فى منطقة الشرق الأوسط بل فى العالم أجمع، لم يقف لهذا الحد بل تصدى لكل من تسول له نفسه فى نهب مقدرات الدولة والشعب، واستطاع جهاز الرقابة الإدارية فى مكافحة كل أوجه الفساد، كما تم التوجيه بإعادة الأراضى المنهوبة وإنفاذ القانون على الجميع بدون استثناء، لينتصر للشعب المصرى الذى يقف خلف قيادته ويدعمه بكل قوة، وكأننا نعيش فرحة جديدة ونصر عظيم على الفاسدين والأباطرة من الإقطاعيين الجدد.
كما رسم خارطة طريق للنظام القضائى بقراراته التاريخية فى تحقيق العدالة كما ينبغى بمنع الازدواجية فى التعيين، وتمكين المرأة بالعمل فى القضاء، والمساواة بين أعضاء الجهات والهيئات القضائية ماليا، وتنظيم الندب وعدم ندب القاضى لأكثر من جهة حتى يتفرغ القضاة للفصل فى القضايا وتحقيق العدالة الناجزة، كما أسس لشبكة نقل حديثة سواء فى الطرق والكبارى وخطوط سكك حديد مصر الجديدة، وإحلال وتجديد سكك حديد مصر القديمة بما يواكب التطور التكنولوجى والرقمنة.
الجمهورية الجديدة التى حققتها التنمية الشاملة فى جميع القطاعات وعلى كل شبر على أرض المحروسة، من خلال تحقيق العدالة الاجتماعية التى انطلقت عام 2014 المتمثلة فى حياة كريمة لتطوير الريف المصرى، والتى تعتبر إعادة لهندسة الثروة المصرية وتوزيعها على أبناء الوطن فى الريف المصرى الذى عانى الحرمان من أنظمة، كان همها الأول والأخير أنفسهم، وشاءت عدالة الله أن يجنى المواطن المحروم ثمار تحمله ووقوفه خلف قيادته الحكيمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.