زياد عبد التواب يكتب | دعم اتخاذ القرار.. الإشكاليات والحلول

0

يحتاج أي مسئول مهما أوتي من خبرة ومعرفة إلى مجموعة من الخبراء لمعاونته فيما يقوم به من أنشطة وما يتخذه من قرارات، وبالنظر إلى تاريخ هذا الأمر لا نستطيع أن نجزم علي وجه التحديد متى بدأت تلك الوظيفة في الوجود ولكننا نستطيع أن نرصد حالات كثيرة قام فيها المسئول باستشارة بعض من ذوي الخبرة قبل القيام بأمر ما، ولنا في التاريخ الإسلامي واقعة شهيرة حينما أشار سلمان الفارسي علي رسول الله صلي الله عليه وسلم بحفر خندق حول المدينة كجزء من الحماية واستعدادات الحرب في غزوة الأحزاب.

أما في أوروبا، فإن بدايات وجود كيان لمعاونة الحكام في رسم السياسات واتخاذ القرارات ربما يعود إلي القرن التاسع الميلادي، أما وجود ما أطلق عليه “مراكز فكر”Think Tanks فإنه قد بدأ في القرن التاسع عشر في لندن تحت مسمي Royal United Services Institute وتحديدا في عام 1831، كما أنشئ ما أطلق عليه The Fabian Society عام 1884 بالولايات المتحدة الأمريكية ثم تطورت الأمور بصورة كبيرة في أعقاب الحرب العالمية الثانية وصولا إلي شكلها الحالي، والذي قد يتخصص فيه المركز في فرع من الفروع كالاقتصاد أو السياسة أو البيئة أو يكون جامعا لتلك الفروع معا.

خلال الخمسينيات وحتى الثمانينيات من القرن الماضي حدثت تغيرات كثيرة ساهمت في تشكيل علوم دعم اتخاذ القرار Decision Support Systems بصورة أكثر احترافية جعلتها تعني بتقديم بدائل وحلول للمشكلات أو للخطط التنموية بأسلوب علمي يعتمد علي جمع وتحليل البيانات والمعلومات، سواء البيانات المكتبية أو تلك التي يتم الحصول عليها من خلال استطلاعات الرأي العام والبحوث الميدانية ثم يجري تحليلها ووضع عدد من البدائل-3 بدائل في المتوسط-أمام متخذ القرار تشمل كل منها المميزات والعيوب والتكلفة والعائد لكل بديل.

تكمن الإشكاليات الأساسية في عملية دعم اتخاذ القرار ابتداء في الحصول على البيانات الصحيحة ثم تحليلها بصورة علمية سليمة تأخذ كل الأبعاد المرتبطة في الحسبان والتي تشمل البعد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتقني والتشريعي والبيئي والمعروفة بـ PESTLE Analysis وذلك لأي موضوع مطلوب أن يتخذ فيه قرار سليم.

تشمل الإشكاليات أيضا الفجوة بين متخذ القرار بأسلوبه العملي السريع وبين الخبراء الأكاديميين الذين يميلون إلى التنظير والإطالة في زمن إعداد تلك التقارير، وكذا أيضا إضافة الكثير من التفاصيل التي ربما تجعل الفكرة الأساسية تذوب داخل الأحجام المهولة لتلك التقارير.

في الحقيقة فإن المشكلة الأولي والخاصة بتوافر البيانات والمعلومات واجهت كل مراكز دعم اتخاذ القرار في عصور ما قبل عصر المعلومات والمعرفة، وهو الأمر الذي دفع مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار برئاسة مجلس الوزراء عند إنشائه عام 1985 إلي الاتجاه نحو نشر استخدامات تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات في القطاع الحكومي وفي المجتمع ككل حتى يتسنى له الحصول علي بيانات ومعلومات مدققة يمكن استخدامها والاعتماد عليها كمدخل لعملية دعم اتخاذ القرار، وهو أمر استمر حتى إنشاء وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات عام 1999 والتي ساهمت بصورة غير مسبوقة في تحول المجتمع ودخوله بقوة إلي عصر المعلومات والمعرفة.

أما في الوقت الحالي فإننا نجد العديد من الجهات الحكومية وأيضا القطاع الخاص يعتمد آليات دعم اتخاذ القرار بما يتوافر من بيانات مكتبية وما يقومون به من استطلاعات للرأي ومن المسوح الميدانية، وكذا أيضًا سهولة الاطلاع على التقارير والمؤشرات التي تصدرها المؤسسات الدولية أيضا مع تطور آليات النمذجة والذكاء الاصطناعي للمساهمة في الحصول على بدائل محددة وواضحة، وأهم شيء أن تكون قابلة للتطبيق وواضحة التكلفة والعائد.

بقي أمر بسيط وهو كيفية صياغة تلك التقارير لتناسب متخذ القرار والذي في العادة كلما ارتفع مستواه الإداري كلما قل الوقت المتاح لديه للاطلاع على تقارير طويلة ومفصلة، وزادت حاجته إلي أن تكون تلك التقارير قصيرة ومختصرة وموضح بها التكلفة والعائد لكل بديل من بدائل اتخاذ القرار المطلوب بصورة أكثر تحديدًا ووضوحًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.