سامح فاروق يكتب | الأذرع الثلاثة للتربية

0 311

لتربية الأطفال تربية جيدة لا بدَّ من تكامل الأذرع الثلاثة، وهي: “الأسرة، والمدرسة، والدولة”. نبدأ بالذراع الأولي، وهي الأسرة، التي لها دور كبير في بداية تكوين بيئة حاضنة للطفل، قد تكون هذه البيئة دافئة مليئة بالحنان والمحبة والتفاهم والانفتاح والحوار، وقد تكون مليئة بالعنف والانشقاق والانقسام والصوت المرتفع، وقد تكون بيئة معتمدة علي الآلة، كانشغال الأب والأم بـ”التليفون والتليفزيون والكمبيوتر… وغيرها”.

قد تكون بيئة التجاهل، أي ترك الطفل وشأنه، أو وجود مصادر كثيرة للتربية كـ”الأب – الأم – الجد – الجدة – العم – الخال – الإخوة – الأخوات – الخالة.. وغيرهم”.

كل بيئة من هذه البيئات تشكّل الطفل وتجعله يتأقلم ليتعايش معها، فالبيئة العصبية تُخرج طفلًا عصبيًا.. والهادئة تُخرج طفلًا هادئًا.. والبيئة التي تمتاز بأكثر من مصدر في تربية الطفل تُخرج طفلًا مشتَّت الفكر يصعب عليه اتخاذ قرار بل يكون دائمًا مترددًا، أما البيئة القائمة علي الحوار فتُخرج طفلًا متفاهمًا متحاورًا اجتماعيًا.

دعونا نصف واقع الأسرة في مجتمعنا الآن.. لدينا الأسرة المفككة: الناجمة عن طلاق الأب والأم، والتي تنتج طفلًا مملوءً بالكراهية ناقمًا علي كل شيء في مجتمعه، فيجد الطفل نفسه وحيدًا مشردًا، أو إذا عاش مع الأب الذي يغذيه بالكراهية لأمه، أو أمه التي تغذيه بالكراهية لأبيه، ويمكن أن نسمي هذا النوع التربية علي الكراهية، وقد سُجلت أعلي نسبة طلاق في مصر عام 2020 في الفئة العمرية من 30 إلي أقل من 35 سنة، والتي بلغت 43 ألفًا و739 حالة، وسجلت أعلي نسبة في الحاصلين علي شهادة متوسطة، حيث بلغ عدد الحالات 77 ألفًا و766، وفقًا للنشرة السنوية لجهاز الإحصاء.

هناك أيضًا الأسرة المستقرة: الطفل يعيش في أسرة مستقرة، فالأب والأم يعيشان في جو يسوده التفاهم والمودة والفكر المستنير، هذه الأسرة توفر لهذا الطفل جوًا من البيئة المستقرة -إن وجُد خلاف بين الزوجين يتم بعيدًا عن وجود الطفل- وفي هذه الأسرة يتم توزيع المسئوليات بما فيها مسئولياتهما تجاه الطفل، فيكون الحزم من واجب الأب، ويكون الحنان والاحتواء من جانب الأم، ولا يوجد أي تناقض في القرارات التي تخصه بأخذ رأيه ومساعدته، وتسمي هذه البيئة دافئة حاضنة، يكون المنتج من هذه البيئة طفلًا متوازنًا له شخصيته المستقلة.

تتعدُّد مصادر عناصر التربية فيجد الطفل نفسه أمام أكثر من شخص يعطيه الأوامر ويؤثر في بيئته، ويجد نفسه أمام الأب الذي يقرر له شيئًا، وبعدها تقوم الأم بإلغاء القرار بعد إلحاح من الطفل، مثلًا الأب قرر أخذ الموبايل من الطفل لمدة ثلاثة أيام، فيذهب إلي الأم التي تعطيه له بعد بضع دقائق، أو أن الأب والأم يقرران عقابًا ما للطفل فيقوم الجد أو الجدة بإلغاء هذا العقاب، هذه بيئة غير صحية للطفل، تجعله طفلًا مستغلًا ولا تساعده علي الاستقلال.

كل هذه الحالات وغيرها تؤهل الطفل للدخول إلي الذراع الثانية، وهي المدرسة، التي تستقبل نوعيات كثيرة من التلاميذ، مثل: “الهادئ – الانطوائي – ذو الشخصية القوية – الشقي – المسيطر – المتهاون – المتفائل – المتشائم – ذو الشخصية الضعيفة”.

المطلوب أن تتعامل المدرسة مع كل هذه الشخصيات في مكان واحد. كيف يتعامل المدرس “المربِّي” مع كل هذه الشخصيات، مطلوب منه أن يقوّم ويعدل السلوك ويشرح المنهج. كيفية اختيار وتعيين المربِّي وتوفير حياة كريمة له تجعله يحب وظيفته بل يقوم بها كرسول: “كاد المعلم أن يكون رسولًا”، ليست وظيفة للحصول على مبلغ مالي شهري لسد الاحتياج. كيف يتم تكوينه ليكون عفيف اللسان ويكون قدوة في تصرفاته ليقتدي بها التلاميذ؟ كيف تكون المدرسة ملاذًا آمنًا للتلاميذ “عمل ندوات يتم خلالها تعميق القيم الإنسانية”؟ من المهم أن نركز على “التفكير الصباحي”، أي عشر دقائق من الحصة الأولي لتعميق قيمة معينة من القيم الإنسانية.

مثال لما سبق: الحوار، يتحدث المدرس مع التلاميذ في معني الحوار ومبادئ الحوار، وكيف نتحاور ونستمع جيدًا وبعدها نفكّر ونتحدث، وأثناء الشرح يذكّر المدرس التلاميذ بما تم، من خلال وقت التفكير الصباحي، ويكون هناك ترابط بين مدرسي الفصل الواحد، فخلال الاجتماع الأسبوعي لمدرسي الفصل الواحد يتم طرح الأفكار ومناقشتها ومتابعتها مع بعضهم البعض، ويمكن مناقشتها في اجتماع أولياء أمور الفصل، ليكون هناك سياسة موحدة يتبعها الجميع للحصول على أسلوب تربوي واحد يخص كل تلميذ علي حدة.

من المهم كذلك عمل ندوات تكوينية للمدرسين، ويتم فيها مناقشة سلوكيات التلاميذ وكيفية التعامل معها تربويًا، وتحديد قواعد للثواب والعقاب، وكيفية الابتكار في شرح المواد الدراسية، وعمل أيام بيئية وثقافية وفنية وغيرها. كما يتم عمل ندوات تكوينية لأولياء الأمور تتم فيها المناقشة في صفات المراحل العمرية للطفل وكيفية التعامل مع كل مرحلة، وشرح أيضًا لسياسة المدرسة والتركيز على الجانب السلوكي والتربوي، مع توعية وتكوين السائقين والعمال بالمدرسة، وعمل ندوات لهم… أما الذراع الثالثة فنتحدث عنها في مقال لاحق

* سامح فاروق، المسئول الرعوي لمدارس الفرير الكاثوليكية في مصر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.