سعد سوسه يكتب | الصراع العماني البرتغالي في شرق افريقيا (١ – ٢)

0 37

قبل أن نخوض في تاريخ الصراع العماني – البرتغالي في شرق افريقيا ، لابد من الاشارة الى أنّ لمنطقة الخليج العربي عامة ولعمان خاصة صلات قديمة بشرق افريقيا ، ترجع الى ما قبل الاسلام بوقت طويل ، وكان العمانيون اول رواد الساحل الشرقي الافريقي ، واكثرهم تاثيراً في المنطقة ، وذلك بهدف المتاجرة مع الافارقة . وكانت الرحلة من عُمان الى شواطئ افريقيا االشرقية تستغرق حوالي شهرين ( 1 ) .نجح البرتغاليون ، في القرن السادس عشر ، في فرض سيطرتهم الاحتكارية على سواحل شرق افريقيا ، حيث اقاموا في سفالة وكلوة وموزنبيق حكماً مباشراً ، تسنده الحاميات والاساطيل القوية ( 2 ) .وخلال القرن السادس عشر ، والنصف الاول من القرن السابع عشر ، كان البرتغاليون يسيطرون على مسقط والموانئ المهمة على الساحل العماني ، وكانت قاعدتهم هرمز والجزر المحيطة بها ، وكان أسطولهم سيد البحار دمرّ التجارة ، وعرقل كلياً الاتصالات بين عُمان وشرق افريقيا .إنّ فقدان البرتغاليين هرمز عام 1622 ، حفز شعوب ساحل شرق افريقيا على الانتفاضة ، للتخلص من الهيمنة البرتغالية ، فشهد عام 1631 قيام عدة انتفاضات في ممباسا وبمبا ، إلاّ أنّ البرتغاليين تمكنوا من قمعها بشدة ، واستطاعوا عام 1635 اعادة فرض سيطرتهم على ساحل شرق افريقيا .واعتباراً من عام 1645 ، عندما كتب ملوك سيو وفازا وبمبا الى الملك البرتغالي شكوى بسبب الظلم الذي تتعرض له شعوبهم من حاكم ممباسا ، وحتى عام 1651 ، شنت القبائل المجاورة لممباسا حرباً ضد البرتغاليين . وقد ارسلت البرتغال الكابتن فرانسيكو دي سيكاس كابريرا Fraucisco De Sexas Caberira الى شرق افريقيا عام 1651 ، لإعادة السيطرة البرتغالية هناك .ان نجاح دولة اليعاربة في تصفية الوجود البرتغالي في عُمان في عهد الامام سلطان بن سيف ، دفع سكان ممباسا في شرق افريقيا لطلب المساعدة من العُمانيين ، للتخلص من الوجود البرتغالي هناك .وسارع الإمام الى تلبية استغاثة المسلمين في شرق افريقيا بما يستطيعه ، وكانت قوته البحرية تنمو سريعاً ، فاستطاع عام 1652 شن غارة بأسطول صغير على المواقع البرتغالية في باتا وزنجبار وطرد البرتغاليين منها .لكن القائد البرتغالي كابريرا سرعان ما تمكن من إعادة السيطرة البرتغالية على زنجبار وبمبا ، ولجأ الى معاقبة العرب او الانتقام منهم في هاتين المدينتين ، بسبب تعاونهم مع القوات العُمانية ، لكنه لم يتمكن من اللحاق بالاسطول العُماني العائد الى مسقط .وبحلول عام 1660 ، تمكن الامام سلطان بن سيف ، بدعوة من أهالي باتا ، من انزال قوة عمانية على الساحل الافريقي ، وهاجم مدينة فازا وممباسا ، لكنه لم يتمكن من الاستيلاء على قلعة يسوع . وبحلول آب عام 1662 كانت قوات الامام تمتلك السيطرة على الساحل الافريقي كلّه، باستثناء ممباسا ، حيث كان الحصار عليها مستمراً ، وقد تلّقت قوات الامام الاسناد من القبائل المحلية التي عانت من ظلم حاكم ممباسا البرتغالي جوزيف بوتلهو داسلفا Joseph Botelho De Silva الذي طلب بدوره ارسال دعم عسكري من كوا لمواجهة الحصار العماني .وبسبب حاجة البرتغاليين الى تلك التعزيزات في كوا نفسها ، لم يرسلوا قوات اضافية ، وفي ظل هذه الظروف إضطر القائد الى الاستسلام في عام 1665 . قام بعدها الامام سلطان بتعيين محمد بن مبارك والياً على ممباسا .لم يكن باستطاعة الامام سلطان البقاء طويلاً في ممباسا ، اذ كان عليه أن يعود الى عُمان ، وما أن غادرها حتى عاد البرتغاليون الى الاستيلاء على ممباسا من جديد ، وانزلوا هذه المرة اقصى درجات العقاب باهلها ، الامر الذي زاد من كراهيتهم للحكم البرتغالي ، ومن تصميمهم على انتهاز الفرصة للتخلص منه .واصل العمانيون غاراتهم البحرية على شرق افريقيا ، فأرسلوا أسطولاًُ قوياً الى موزنبيق ، حاصر قلعتها ، إلاّ انها صمدت لحصاره ( 3 ) .حاول البرتغاليون في هذه المرحلة توجيه إهتمام أكبر نحو شرق افريقيا ، خشية خسارتهم له، فقد تلقى نائب الملك دوم بيدرو دي الميدا Dom Pedro de Almeida توجيهات من الملك البرتغالي بتوجيه قوة برتغالية ، قادها نائب الملك نفسه، الى شرق افريقيا في آب عام 1678 ، وقد تمّ تعزيز حاميات موزنبيق وممباسا بقسم من هذه القوات ، بينما اخذت القوة البرتغالية طريقها الى فازا ، التي لم يتمكنوا من احتلالها إلا في 16 كانون الاول ، بوصول مزيد من التعزيزات من كوا .واستسلمت بعدها مدينة سيو ، وتم أسر ملك لامو وملك ماندا بعد هجمات متتالية . وفي تعليق المؤرخ كوبلاند على كيفية تعامل البرتغاليين مع سكان المدن التي أعلنت ثورتها ضدهم، يقول : “لقد عاملوهم بقسوة شديدة ، وفي هذه المرحلة التي تعبر عن الاضمحلال الكبير في قوتهم ، قام البرتغاليون في مدن سيو ولامو وماندا وباتا باعدام الحكام العرب ، ومئتين من رجالها، كما قاموا بنهب الممتلكات، واستخدموا اقصى درجات العنف ، وحملوا تلك المنهوبات، ولاسيما الذهب والعاج الى سفنهم” .وقبل أن يتمكن الاسطول البرتغالي من توسيع فعالياته العسكرية ، قاطعه وصول اربع سفن عمانية في 12 كانون الثاني عام 1679 ، وتمكن العرب من النزول الى البر ، وخلال ايام قليلة تعرض البرتغاليون لضغط شديد من العرب والسكان المحليين ، الامر الذي اضطرهم الى الانسحاب بأسطولهم الى موزنبيق ، وهناك توفي الحاكم بعد اربعة اسابيع .وفي سنة 1680 أعد خليفة سلطان بن سيف ، ابنه بلعرب ، اسطولاً مكوناً من ثمانٍ وعشرين سفينة، فرض به حصاراً على ممباسا ، التي استعصى على العُمانيين فتحها ، بسبب استحكاماتها القوية . اذ كانت قاعدة الارتكاز البرتغالية في شرق افريقيا . لذا تطلع بلعرب الى نقاط برتغالية اخرى ، فتوجه نحو موزنبيق ، وحاصر قلعتها ، الا أنّ الحامية البرتغالية بقيادة جسبار دي سوسا لاكيردا Gaspara De Sousa De Lacerda استطاعت الصمود في وجه الحصار العُماني .

ووفقاً لروايات محلية فأن العُمانيين أخذوا بحفر نفق أسفل القلعة ، بهدف التسلل الى داخلها ، مما جعل افراد الحامية البرتغالية يفكرون في صدّ هذا التسلل بطريقة غير تقليدية ، حيث وضعوا شحنات إنفجرت بقوة ، أجبرت العُمانيين على فك الحصار عن القلعة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.