سنية الحسيني يكتب | ماذا يجري في أمريكا؟ (2-2)

0 293

فيما يتعلق بالوضع الداخلي الأميركي، فقد انعكست تداعيات القضايا الكبرى التي جرى نقاشها آنفاً على الوضع الداخلي الأميركي بكل مكوناته. وسوف يُفاجأ الزائر للولايات المتحدة اليوم برؤية مشاهد لم يرها من قبل، فلم تعد حيوية الدولة والمجتمع الأميركي ظاهرة للعيان كما كانت في الماضي. فقد يجد القادم إلى الولايات المتحدة أو المغادر منها تكدساً كبيراً للمسافرين في المطارات الرئيسة فيها، وتباطؤاً ملحوظاً في إنجاز المعاملات، وعدم وجود ما يكفي من الموظفين لمعالجة هذا التكدس والتباطؤ، ما يخلق قدراً كبيراً من التذمر والإحباط. ويتراءى المشهد ذاته في المتاجر والمؤسسات والمرافق الكبرى التي تعاني من ندرة العاملين فيها. كما يبدو واضحاً أن حالة الاندماج الوطني بين المكونات العرقية والإثنية والدينية هي أيضاً في حالة تراجع في ظل انكفاء هذه المكونات على ذاتها، ما يؤشر إلى فشل نظرية المرجل الصاهر، الذي يفترض أن يذيب الفوارق العرقية والثقافية بين الأميركيين ويخلق منهم أمة واحدة. ومما يعمق من هذه المشكلة بروز التيارات اليمينية البيضاء التي تؤمن بالتفوق العرقي الأبيض، ونشوء حالة من الخوف والاستقطاب الداخلي الظاهر، وزيادة اللجوء إلى امتلاك السلاح، وتصاعد منسوب الجريمة وعمليات القتل الجماعي.
وتشكل ظاهرة انتشار خطاب المتطرفين اليمينيين، والتحذيرات المقلقة في وسائل الإعلام الرئيسة، والتهديدات لمكتب التحقيقات الفدرالي “إف بي آي،” والهجمات الفردية على عملاء هذا المكتب وضد قضاة ومسؤولين منتخبين وأعضاء مجالس إدارات مدارس ومشرفي انتخابات، والتي تصاعدت خلال شهر آب الماضي بعد تفتيش منزل ترامب، تطوراً خطيراً في المجتمع الأميركي. وتظهر نتائج استطلاعات الرأي توقع الأميركيين مزيداً من الصراع العنيف، في ظل تصاعد أعمال العنف المتفرقة خلال السنوات الأخيرة في البلاد، ما يعكس حالة من فقدان الثقة والأمل والشعور بالانتماء إلى مجتمع تضررت لحمته بشكل كبير. فلم تكن انتخابات الرئاسة الأميركية في العام 2020 محطة عادية بالنسبة للولايات المتحدة، والتي شهدت أحداثاً ومشاهد لن ينساها الأميركيون بسهولة، كالهجوم على مبنى الكونغرس، يوم التصديق على تنصيب بايدن.
وقد تحمل الانتخابات النصفية القادمة جولة جديدة من صراع الجمهوريين والديمقراطيين المحموم، حيث شهدت ولايات فلوريدا ونيويورك وأوكلاهوما أحدث جولة من الانتخابات التمهيدية التي تحدد مرشحي الحزبين الجمهوري والديمقراطي لانتخابات الكونغرس القادمة، وأظهرت النتائج الأولية في فلوريدا وأوكلاهوما فوز عدد من الجمهوريين من الموالين لـترامب. وشكل دعم ترامب لمؤيديه في عدد من الولايات عاملاً حاسماً في فوزهم، وتذكيراً بنفوذه المستمر على الحزب حتى بعد مغادرته البيت الأبيض. ويتنافس أعضاء المجالس المحلية في أريزونا بشكل يعكس حالة الاستقطاب الحزبي في ولاية لم تشهد هذا النوع من الاستقطاب منذ عدة عقود. إن الاستقطاب المتزايد في السياسة الوطنية الأميركية، تسرب في العقد الماضي إلى الانتخابات المحلية التي كانت دائماً بعيدة عن الصراعات الحزبية على المستوى الوطني.
وهناك أيضاً حالة تراجع واضح في قدرة الشرطة على حفظ الأمن والنظام في العديد من المدن الأميركية، فلم يعد بمقدور الشرطة فرض الأمن والنظام في العديد من الأحياء الأميركية، وأصبحت تخشى التحرك بحرية وممارسة مهامها اليومية، لتعرضها للملاحقة والقتل أحياناً من قبل جماعات غاضبة أو متذمرة. ومن الملفت للانتباه أيضاً تزايد بروز ونفوذ جماعات المثليين، خاصة بعد أن حظي هؤلاء بالتشريعات والقوانين والسياسات التي لا توفر لهم الحماية فحسب، بل تمنحهم حقوقاً غير مسبوقة، ما زاد في حدة الاستقطاب في المجتمع الأميركي.
خلاصة القول إن مستقبل الأوضاع الداخلية في الولايات المتحدة وعلاقاتها مع الدول الأخرى لم يعد واضحاً، بل هو مفتوح على الاحتمالات كافة. فإذا لم تنجح الولايات المتحدة في حل مشاكلها الاقتصادية المتفاقمة وتنظيم العلاقات الداخلية بين المكونات المختلفة للمجتمع الأميركي، فإن ذلك ينذر بخطر الصدامات العنيفة بين الأطراف المتصارعة والتفكك داخل المجتمع الأميركي. وعلى مستوى آخر، لا تلوح في الأفق في المستقبل المنظور ملامح حل سريع للأزمة الأوكرانية، الأمر الذي سيلقي بظلاله على الولايات المتحدة وتحالفاتها في أوروبا، وعلى قدرتها على مواصلة دعمها لأوكرانيا، وذلك بإقناع الأميركيين استمرار تقديم الدعم لها. وأخيراً فان الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي التي ستجري في شهر تشرين الثاني القادم سوف تكشف نتائجها عن بعض المؤشرات على الوجهة القادمة التي ستسير فيها البلاد على الصعيدين الداخلي والخارجي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.