عباس عبيد يكتب | هل يمكننا جعل التعليم ممتعا (1-2)

0

تَخيَّل نفسك وأنتَ في قاعة امتحان، حيث الفضاء مليء بالتوتر، وبالهدوء المريب، إلا من صوت خطوات الأساتذة المراقبين، يرصدون أية حركة، وهم يذرعون القاعة جيئة وذهاباً، بين صفوف الكراسي التي أعيد ترتيبها. أكف ترتجف وهي تكتب الإجابات، وحبات عرق تتساقط، ودقات قلوب تكاد أن تَسمعَ صوت رعبها وابتهالاتها في آن واحد.
دعوني أحدثكم عن ذكرى قديمة، فربما ستجعل موضوعنا هذا أكثر فائدة. لا أعرف بالضبط من الذي أوصل إلينا يوم كنا طلبة في المرحلة الابتدائية تلك الجملة المثيرة التي تقول: (إن خوض معركة أهون عندي من الدخول إلى قاعة امتحان)، وكنا ننسبها لنابليون بونابرت. لاحقاً، حين تأسس الوجود المهيمن لوسائل التواصل الاجتماعي سأجد الجملة ذاتها تتردد بكثرة، آخذة تنويعات أسلوبية أخرى، لا تخرجها عن معناها الذي عرفناه قبل عقود، بل تجعلها أكثر مبالغة، تنويعات من قبيل: (ألف معركة ولا امتحان واحد)، (ألف ساحة معركة ولا قاعة امتحان)، منسوبة لنابليون دائماً، إلا في تغريدة في تويتر، فضل صاحبها زعيماً آخر، ربما لأنه يفوق الأول في رغبته بإشعال الحروب، أو في عدد ضحاياه. نعم. إنه أدولف هتلر.
شخصياً، وعلى امتداد سنوات دراستي الطويلة، من الابتدائية حتى مرحلة الدكتوراه، لم تكن قاعة الامتحان تعني شيئاً سوى كونها قاعة امتحان، وهذا حال نسبة طيبة من طلاب العلم. غير أن تلك الجملة كان لها سحرها الخاص. كانت تمنح النسبة الأكبر من زملاء الدراسة نوعاً من العزاء، وتبريراً استباقياً لرسوب محتمل. لقد وجدوا فيها تميمة ضد خوفهم الطافح. والمفارقة أنه خوف آتٍ ممن يفترض أن يكونوا مصدر أمنهم وطمأنينتهم. ولا أصعب من أن يجتمع عليك (الخوف من الفشل، ومن تأنيب الوالدين، ومن عصا المعلم، ومن النظرة السلبية للمجتمع…)، فليس من المستغرب أن يسقط (ساقط تعني الطالب الراسب في الامتحان، كما تعني عديم الأخلاق في العامية العراقية) بعض الطلبة فرائس للتوتر والإعياء، أن ينسوا تماماً ما كانوا متأكدين من حفظه من مقرراتهم الدراسية قبيل لحظات قليلة من دخولهم القاعة. بعد ذلك، أي وصف سيختارونه لقاعة الامتحان إن لم يكن ميداناً لمعركة؟ من اليسير القول إن جميع أشكال الخوف المتقدمة لم تكن لتهيمن على نفوس صبية صغار لو كنا قد أحسنا فهم أسس التربية الأسرية والتعليمية. لكن كيف نفعل ذلك؟ من سيفعل ذلك؟
التعلم عبر اللعب
أفكر في سياق استذكاري لمقولة نابليون في المستشارين والخبراء، وهيئات الرأي التابعة لوزارات التربية والتعليم في عالمنا العربي، فأتذكر في الحال حكاية تنابلة السلطان. وأفكر أيضاً في المشتغلين بحقول الدراسات الاجتماعية والتربوية، وإعداد المناهج، وطرائق التدريس، في ابتعادهم غير المفهوم عن الحياة المدهشة للفئات العمرية الصغيرة. فبينما تبدو الحاجة ملحة لإيجاد مقاربات علمية شجاعة تعتمد المنهجيات الحديثة، ظلوا يراوحون عند آليات وموضوعات مستهلكة تماماً. وما رهاب الامتحان -لاسيما الامتحان النهائي- إلا محصلة لفشل الخطط التعليمية، ولعجز المعلمين عن تقديم محتوى جاذب طوال العام الدراسي.
يلف الملل كل شيء، وتُغلِّف الرتابة عالم المدرسة والدارسين. وإن كانت للمعلم سلطة أن يحاسب الطلبة “الكسالى”، فمن الذي سيحاسب المعلمين الكسالى؟ أولئك الذين يدأبون طوال سنوات عملهم على تكرار الأساليب نفسها بإصرار لا يتزحزح. هم أساتذة، لكنهم طلبة أيضاً، طلبة أوفياء لما تربوا عليه، للطريقة الإملائية التي تتعالى على المحاورة، ولا تؤمن إلا بالتلقين.
سرعان ما سينسى الطلبة أغلب ما تم تلقينهم إياه من مواد مملة. الأكثر حضوراً في ذاكرتهم هي اللحظات الجميلة للعب مع الأصدقاء. الأستاذ المعلم لا يلعب. هو جاد وعقلاني، وربما يكون شديداً أحياناً. ولا أحد يحب أن يتذكر شيئاً من ذلك. ما نتذكره من حديثه طوال عام كامل مجرد معلومات قليلة، ربما لأنه قدمها على شكل حكاية مشوقة من غير أن يكون قاصداً، أو وجد لها صلة بالواقع اليومي لحياة تلاميذه فشدتهم إليها. بهجة معرفية مرت مثل صدفة.

* عباس عبيد، كاتب من العراق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.