عباس علي العلي يكتب | الحقيقة وفلسفة السؤال (٢-٢)

0

عندما وصل الدين إلى مرحلة المواجهة بين تسليماته وبين حركة العقل تحول إلى مدافع شرس ضد التفكير العلمي وضد البحث عن السؤال، هذه النتيجة التي كان على الدين أن يتوقعها إن كان فعلا مع الحقيقية ومع مسيرها، لكن المضي في مشروع البحث سيضعه في مأزق وجودي يخالف الحقيقية التي يريد بقائها مطلقة في الواقع دون حتى التفكير بحقيقتها أو أمتلاكها اليقين المناسب، هذا ما جر الدين للمواجهة مع العلم وأصبح البحث العلمي والفكري العميق عدوا لدودا له، فتحريم التفكير هو من يقفل باب العلم وهو الذي يخرج مسيرة الدين الأولى من مسارها الأفتراضي، إلى جدار لا ينفذ منه إلا ما يتناسب مع حقيقة الدين المطروحة، فعندما حرم الغزالي الفلسفة والتفكير العلمي ونسبهما للشيطان كان هذا الفعل والرؤيا بداية إنهيار الحضارة العلمية في عصر الإسلام الذهبي كدين، وأعاد فرض فكرة الحقيقية الموحى بها على أنها الحقيقة المطلقة التي لا جدال فيها، أما حقيقة العلم الموضوعية والمنطقية هي حقيقة من الشيطان.
يمكن تسمية ما تقدم وموقف الدين من العلم هو فوبيا الحقيقة طالما أن الخشية من المواجهة حقيقية وليست شيء أفتراضي، الخشية من إنهيار عمارة الأفكار والرؤى التي بنيت على مفهوم الحقيقية الموحى بها على أنها الحقيقة المطلقة، لذا يعمد الدين دوما إلى أتخاذ موقف العداء ممن لم يؤمن ليس بالجانب المضيء فيه، بل الجانب الذي يطرح موضوع الحقيقة للسؤال، لا تسأل عن أشياء إن تبدو لكم تسؤكم والحقيقة الإساءة هنا الشعور بالخيبة والشعور بالأستغفال، وإلا فالمنطق العلمي يقول أن السؤال هو المفتاح لكل طرق العلم وبداية أي بحث هو كيف نترجم السؤال إلى منهج عمل، والحقيقة الأخرى أن مسيرة الإنسان في الوجود لا تنتهي حتى ينتهي مفعول السؤال وضرورته ووجوده، فلا حياة ولا علم ولا ضرورة بدون السؤال، فكيف تتحول الضرورة إلى إساءة وإلى إشكالية سلبية.
إن التمسك بحق السؤال هو تمسك منطقي وحق وجودي لا تحده ظاهرة ولا ينفيه حق أخر مهما أمتلك من مبرر وقوة ونفوذ، وسيبقى السؤال هو البوابة التي منها يبدأ البحث عن الحقيقية التي فشل الكثيرون في حتى محاولة تلمس طريق الوصول لها، أما بدافع فكري أو معرفي يطرح بديلا أو يتبنى موقفا مغايرا من فلسفة السؤال، إن الإنسان الساعي للكمال البشري والتطور والرقي والسمو لا يمكن أن يكون كذلك ما لم يختار منهج السؤال كحق وكواحب وجودي، فلا طريق أخر يمكن أن يأخذنا للحقيقية ولا ممر أمن يمكن أن يسهل لنا الأستدلال والوصول غير المضي بالسؤال الأول وأنتهاء بالسؤال الأخير الذي ما بعده سؤال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.