عبد الحسين شعبان يكتب | المواطنة الافتراضية

0

إذا كانت فكرة المواطنة الحديثة تقوم على عدد من القواعد الأساسية فمن أهمها: الحرية ولعلّها المدخل، فضلاً عن كونها الفضاء الضروري للقواعد الأخرى، ثم هناك قاعدة المساواة، بمعناها القانوني أولاً، وبمعانيها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي تقوم على تكافؤ الفرص وعدم التمييز وحق اختيار الحاكم وغير ذلك. أما قاعدة العدل فتشكل أساساً لهما، والعدل ليس بمعناه القانوني والقضائي فحسب، بل بمعناه الاجتماعي، فالمواطنة ستكون ناقصة ومبتورة مع الفقر، وفي ظل التفاوت الاجتماعي الفاحش بين من يملكون ومن لا يملكون، وبين المحرومين والمتخومين وهكذا. ويحتاج العدل إلى ضوابط وأنظمة تسهم في رفع الحيف والغبن عن الفئات الضعيفة مثل المرأة والمجموعات الثقافية: الدينية والإثنية والقومية، وكذلك أصحاب الاحتياجات الخاصة وغير ذلك.
كما تحتاج المواطنة لكي تكون مؤثرة وفاعلة، إلى المشاركة الواسعة في إدارة الشؤون العامة وعدم التمييز لأي سبب كان، في تولّي الوظائف العليا، ولعلّ تلك الأركان الأساسية تشكل مرتكزاً للهوّية بمعناها السسيوثقافي، بوجود اللغة والدين كعنصرين مؤثرين وأساسيين، إضافة إلى العادات والتقاليد التي يمكن أن تتأثر وتتفاعل مع الهوّيات الأخرى، عامة أو فرعية، محلية أو إقليمية أو خارج نطاق الإقليم.
وإذا كانت ثمة واقعية في موضوع المواطنة، باعتبارها ركناً أساسيا للدولة العصرية، لا غنى عنه لتقدّمها ورفاه شعبها، فإن هناك من يدعو لنموذج آخر “لمواطنة افتراضية”، أساسها آيديولوجي يقوم على الهوّية الدينية أو الطائفية أو القومية أو الأممية بحسب مصدر التوجه، فالإسلاميون بمختلف تياراتهم سواءً جزؤهم الحركي أو الساكن، يعتبرون هناك “دار الإسلام” و”دار الشرك”، وهم وفقاً لهذا التقسيم قدّموا نموذجاً لمواطنة افتراضية أساسها عابر للحدود والجنسيات والقوميات والطوائف، وذلك بتجاوز مشروع “الدولة الوطنية”، لاسيّما عندما يتم الحديث عن مواطنة إسلامية.
ومثله التيار القومي العربي، فإنه لا يعترف بالحدود والكيانات التجزيئية، التي فرضها المستعمر، ويتحدث عن فكرة مواطنة عربية، وقد نجد هذه الفكرة الجنينية قد أخذت طريقها إلى التطبيق التمهيدي مثل الحديث عن المواطنة المغاربية والمواطنة الخليجية، على الرغم مما حقق مجلس التعاون الخليجي من بعض النجاحات في التقارب والتنسيق، لكن ثمة عوائق أمام فكرة مواطنة خليجية أو كونفدرالية على هذا الصعيد، سواء تم توحيد العملة أو الاحتفاظ بها لحين، على طريقة الاتحاد الأوروبي. والماركسيون أيضاً يتجاوزون على فكرة “الدولة الوطنية”، وكان كارل ماركس هو الذي قال “ليس للعمال من وطن” بمعنى تجاوز الطبقة العاملة لما هو قائم باتجاه مواطنة أممية لشغيلة العالم.
وسواءً كانت المواطنة الإسلامية أو المواطنة العروبية وربما الكردية غداً أو غيرها، أو المواطنة الأممية بنموذجها السوفييتي أو الكوبي الأمريكي اللاتيني، فإنها جميعها صيغ لمواطنة افتراضية، تقوم على الموقف السلبي من فكرة الدولة الوطنية، فهو الجامع بينها، علماً بأن الكثير من المشكلات القانونية والسياسية، تواجه مثل هذه الأفكار في ظل غياب صيغة قانونية مثل صيغة الاتحاد الأوروبي مثلاً، لكن هذه الصيغ ذات الطبعة الآيديولوجية الملوّنة، التي تأخذ اسماً دينيا (المواطنة الإسلامية) واسما قومياً (المواطنة العروبية أو العربية) واسماً أممياً (المواطنة الأممية)، فإنها ترضع من ثدي واحد، فالأولى تسعى لقيام نظام إسلامي، والثانية تستهدف قيام نظام وحدوي قومي، والثالثة تريد بناء الاشتراكية، وفقاً لوحدة الطبقة العاملة على أساس مركز أممي وفروع مرتبطة به.
لعلّ الفكرة النظرية التي تروّج لها التيارات المختلفة تصطدم بعدد من الجوانب العملية، فيما يخص الدولة الوطنية وهويّتها، ناهيكم عن عدد من الأسئلة الشائكة التي تواجهها مثل: تنازع القوانين، كيف السبيل للانتقال من دائرة المواطنة الوطنية إلى دائرة المواطنة الأوسع الإسلامية والعروبية والأممية؟ هل بإسقاط الرغبات على الواقع؟ علماً بأن ما طرحته موجة ما يسمى الربيع العربي وعموم موجات التغيير التي حصلت في أوروبا الشرقية وبعض دول أمريكا اللاتينية، أدّت إلى انبعاث الهوّيات الفرعية، وقادت إلى حروب وانقسامات وتشكيل دول أو حتى دويلات.
أفكار من هذا النوع كانت محطّ نقاش وجدل خلال أيام الجنادرية، خصوصاً علاقة الدين كعقيدة، بالسياسة كممارسة ومساومة ومصالح، ومن جهة أخرى كانت فكرة الدولة المدنية حاضرة، لاسيّما باعتبارها “الكفيل بوضع حدّ لنزاعات القوة والهيمنة وتنظيم حياة الناس” بعيداً عن دينهم ولغتهم وعرقهم ولونهم وجنسهم ومعتقدهم وأصلهم الاجتماعي، وذلك بوجود مؤسسات ضامنة لحقوقهم في إطار سيادة القانون، كان ضمن عقد اجتماعي، وربّما هذا ما كانت تسعى إليه بعض حركات التغيير، حتى وإن هناك من حاول وضع العقبات في طريقها أو واجهها بتحديات، ناهيكم عن المنعرجات التي صادفتها، لكن ذلك هو الواقع بكل تعقيداته، وهو واقع وليس افتراضاً بكل الأحوال!!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.