عبد الله خليفة يكتب | الوحدة الأوروبية نموذجًا للخليج

0

مثّلتْ أوروبا قارة الصراع والحروب على مدى قرون. إن الاختلافات في مستوى التطور والصراعات بين الأمم وأسبقية دول فيها للخروج من القارة وإنشاء مستعمرات، ثم ظهور الديمقراطية في انجلترا وتحولها لنموذج أوروبي محاصر طويلا، ثم تنامي الوحدة في أوروبا الغربية بعد عقود طويلة على ذلك الأساس الديمقراطي، كل هذا كان معقدا رهيب الأحداث.
دولٌ أوروبية قريبة من انجلترا أخذت وقتا طويلا حتى تستفيق من كوابيسها الشمولية.
دولٌ كبيرة انقسمت بين نموذج فاشي ونموذج(شيوعي) وتفككتْ أو التحمت بقدر ابتعادها أو قربها من النموذج البريطاني الأوروبي العالمي.
الدول التي أسست وحداتها على أشكال عنيفة كالولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والصين وإيران دفعت وتدفع ثمن الوحدات المُقامة على أسس غيرِ سلمية وغير ديمقراطية.
ما يجعلُ الوحدة الأوروبية قوة عالمية صاعدة رغم تنوعها ومشكلاتها هو قوة الأسس التي بُنيتْ عليها. ففيما تطايرتْ شظايا الاتحاد السوفيتي وتعاني أمريكا مخاضها الداخلي العسر، تحول التعاونُ بين بضع دول أوروبية إلى قوةِ جذبٍ للدول المتأخرة في التطور الديمقراطي وغدت أوروبا الآن قارة ديمقراطية متقدمة.
قامت التجربة البريطانية على تعاون وصراع الطبقة الوسطى والعمال، وتحولت طبقة الأشرافِ لتجارٍ وصناعيين، وتوجهت فوائضُ الدولةِ لمزيدٍ من التصنيع والتطور العلمي وحل مشكلات الناس. وهذا النموذج قبلتْ به فرنسا وهولندا ودولُ شمال أوروبا، ثم حاربته ألمانيا وإيطاليا وأسبانيا واليونان والعديد من الدول وفقدتْ الكثيرَ من الموارد بسبب هذا، ثم انضمتْ إليه وراح بعضها يعاني حتى الآن بسببِ تأخرهِ عن قبول النموذج الديمقراطي.
ولدى دول الخليج فرصة تاريخية لاستثمار الموارد الاقتصادية وقراءة تجارب الدول الأخرى، وأهمية التدرج في الاتحاد واختيار الأسس التي ثبتت قوتها في تشكيل الاتحادات الباقية القوية.
الديمقراطية ونمو القوى المنتجة وتحول الدول لمؤسساتِ إدارةٍ عقلانية للموارد، وتوجه قوى الأشراف للأعمال الحرة، وتطوير القوى العاملة باتجاهاتٍ وطنية ديمقراطية، وتغيير طابع الثقافة النظرية لثقافة تقنية علمية، والانتقال من طابع الصناعة الخام إلى صناعات تقنية متقدمة، لتقليل الاعتماد على العمالة الأجنبية ولتحويل قوى السكان لعمالة متطورة، كل هذه خطوطٌ عريضة بحاجة الى دراسات من باحثين ومختصين لكي تُوضع أسس موضوعية لتطور كل بلد خليجي عربي وللبلدان مجتمعة متعاونة متوحدة.
بطبيعة الحال هناك مسافة هائلة بين النموذج البريطاني الأوروبي والوضع الخليجي العربي، فلا توجد تراكماتٌ كبيرةٌ للفئات الوسطى باتجاهاتِ طبقات وسطى، ذات قدرات صناعية تقنية وثقافية ولكنها تتكون بصعوبات وبتلقائية محتاجة الى درس وتخطيط، والإصلاحات الاقتصادية السياسية الاجتماعية تتيح تحول العديد من قوى الدول للطبقات الوسطى الصناعية والمالية المنتجة.
وهذا يتطلب خططا لتطور الاقتصادات وبأي اتجاه تسير للمدى البعيد، سواء من حيث إزالة التعارض بين الدول أو لتبديل التركيز في الخدمات، فعدم ظهور خطط لتقسيم العمل بين الدول وتخصص المناطق والمهمات فيما بينها يؤدي الى التلقائية المتضاربة.
والإصلاحات المطلوبة في أوضاع القوى العاملة كثيرة من حيث تبدل طابع الاقتصاد الخدماتي أساسا إلى اقتصاد صناعي متطور، وتحول نزيف الصرف للخارج إلى الداخل، وتبدل مهارات القوى العاملة من بسيطة إلى مركبة، وتكون سوق وطنية موحّدة للمستثمرين والعمال في كل دولة، ومقاربة التطور بين المدن والقرى والبوادي بحيث لا تكون ثمة هوة اجتماعية بينها، ولهذا يتطلب الأمر تحولات كبيرة في ظروف السكان العاملين.
هذه العمليات تحتاج الى سنوات طويلة لكن لا يمنع ذلك من التركيز في البدايات فيما هو رئيسي ثم الانتقال لتعميق هذه الخطوط الديمقراطية الوطنية القومية الإنسانية، بحيث تؤدي عمليات التعاون السياسية الاقتصادية إلى تماسك وطني في كل دولة وإلى تطور المنظومة المَلكية الدستورية الديمقراطية في المجموعة، عبر قدرة السكان على الاختلاف المفيد المنتج المطور للوحدة، فتكون الاختلافاتُ نابعة من الحرص على النمو الوطني القومي في داخل المجموعة المتماسكة.
وعرض خطوات التعاون والتوحيد بشكلٍ مستمر على الرأي العام والمؤسسات المنتخبة وتصويبها ودرسها وهي أمور تساعد على الاقتراب من النماذج المتطورة في الوحدة.
ومعرفة ما هو عالمي صائب ناجح مساير لقوانين التطور يتكامل مع الحرص على التجربة المحلية القومية وخصوصياتها، وتقاليد الناس وتجاربهم، فليس هو نقل آلي، بل استثمار مبدع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.