عز الدين عفوس يكتب | الكون 25 وفناء مجتمع الوفرة

0

في إحدى التحارب الخطيرة والمثيرة للجدل، والتي قام بها عالم السلوك الحيواني جون كالهون وسماها الكون 25 ، حينما وضع مجموعة من الفئران التي تتمتع بصحة جيدة، في مستعمرة متسعة، مجهزة بكل ما تحتاجه تلك الفئران من طعام وشراب وجحور وتزاوج ولعب ….، كان ذلك المكان بمتابة “جنة للفئران” إذ أنهم لا يحتاجون أي شيء، فكل ما تريده الفئران موجود بوفرة ودون أدنى جهد منها.
في البداية تكاثرت الفئران بشكل طبيعي، وكونت مجموعات، فالفئران كائنات اجتماعية، ولم تظهر بينهم أي اضطرابات سلوكية أو اجتماعية.
فجأة، وفي الشهر العاشر بدأت تظهر على الفئران سلوكيات غريبة يصفها كالهون :
«العديد من [إناث الجرذان] لم يكن بمقدورهن الاستمرار بالحمل للنهاية أو البقاء على قيد الحياة بعد الولادة إذا فعلن. عدد أكبر أيضاً من إناث الجرذان، حتى بعد الولادة بنجاح، يفشلن في وظائف الأمهات. بين الذكور، تراوحت الاضطرابات السلوكية من الانحراف_الجنسي إلى أكل لحوم الجنس نفسه ومن النشاط المسعور إلى الانسحاب المرضي الذي يخرج فيه الجرذان لتناول الطعام والشراب والتحرك عندما يكون أفراد المجتمع الآخرون نائمين فقط» ظهر القتل والعنف غير المبرر والسلوكات العدوانية بين مجموعات الفئران، وقتلت الإنات أبناءها عوض حمايتها، وعزف الذكور عن التزاوج، وتناقص عدد الفئران في المزرعة، وأكلت الفئران بني جلدتها، وظهرت الأمراض الغريبة.
كما تكونت مجموعة سماهم كالهون “الجميلون” اعتزلوا البقية ولم يشاركوهم في دورات العنف والقتل والهيجان تلك، لكن سرعان ما ظهر بينهم الشذوذ أو الانحراف الجنسي.
ثم بدأ المجتمع ينهار حتى لم يبق به أي فأر!!!

خلال هذه التجارب، التي أجريت خلال الخمسينات والستينات ، كان العلماء يبحثون عن تأثير التزايد السكاني على سلوك الأفراد في المجتمع، لكن التجربة تضمنت متغيرات أخرى لها تأثير مباشر على سلوك المجموعة، ألا وهي الوفرة ، ففي ذلك المجتمع كان كل شيء متوفر حد التخمة، ولم يحتج أفراده بذل الكثير من الجهد للوصول إلى ما يريدون.
كذلك متغير الجيل ، فهناك أجيال لم تعرف النذرة، إذ كان كل شيء متوفر دون عناء، ولا شعر أفرادها بذلك الإحياس الذي يشعر به من قضى مددا طويلة يبحث عن حاجته ثم يجد منها بقدر ضئيل.

هذه التجربة تجعلنا نتساءل عن مآل مجتمعات الوفرة،
وعن إمكانية إرجاع بعض السلوكيات الاجتناعية المنحرفة التي أصبحت الأجيال الحالية تعاني منها، إلى الوفرة ، حيت يُفني الآباء والأمهات حياتهم من أجل ألا يعاني أبناؤهم من الحاجة أو النقص في أي شيء (ملابس، هاتف، حاسوب ، دراجة ، صالة رياضية، ساعات إضافية، عطلة، أحسن الطعام والشراب…)
ألا تكون تلك الوفرة سببا في هذه الانحرافات؟
ألا يمكن أن تكون سببا في تخريب المجتمعات البشرية؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.