علي محمد اليوسف يكتب | النقصان في الذات والوجود (1-4)

0 195

ورد على لسان المفكر والمترجم الفلسفي د. عبد الغفار مكاوي عن آخر نص كتبه كارل ياسبرز احد اعمدة الفلسفة الوجودية بعنوان ( تاريخ الفلسفة بنظرة عالمية) قوله : “الانسان بالاساس لا اكثر مما يمكنه ان يعرف عن نفسه”. وهي عبارة مرادفة لعبارة أحد الفلاسفة الاميركان قوله :الانسان هو حدود ما يدركه ويعرفه عن ذاته وعالم الاشياء المحيط به في المجتمع والطبيعة.. واضيف عبارة اخرى لياسبرز قوله ” انني لا اتحول الى موضوع امامي انا نفسي “. ارى في تعبير ياسيرز هذا استشكالا حول ادراك الذات في المداخلة مع الموضوع لا مجال الى اعلدة مناقشتها الان بعد مناقشتي لهذا الموضوع اكثر من مرة في مقالاتي.
في الفقرتين السابقتين اراد ياسبرز ان يقول ان الانسان هو وعي ذاتي لغوي تجريدي في ادراكه لذاته التي هي ماهيته التي اعتبرها انا تشمل مجموعة العواطف والاحاسيس والنزعات الفطرية والمكتسبة والغرائز التي تتوزعها اجهزة الجسم الداخلية التي يحتويها الضمير والعاطفة والوجدان وليس العقل.
رغم الفارق البيولوجي بين مثالية الضمير ومادية العقل… اجد ان الضمير عاطفة صادقة في حب الخير والاخلاق القويمة والوجدانات لا تخطأ اغلب الاحيان بخلاف العقل الذي يخطأ حتى بصرامته العلمية التي تحكمها التجارب العلمية والمعادلات الرياضية..
مالسبب الذي دعاني تغليب مصداقية الضميركمفهوم ميتافيزيقي على مادية العقل كمصطلح ادراكي معرفي متفق عليه؟
الاجابة المقتضبة ان العقل يعتمد الاحساسات التي مصدرها مدركات الحواس التي هي غالبا ماتكون قاصرة خاطئة في نقل الانطباعات الخارجية للعقل. اما الضمير فمصدر تكوينه وتغذيته هي مجموع الاحاسيس الداخلية التي تثيرها اجهزة الجسم لايقاظ صحوة الضمير في استشعارات غايتها اشباع حاجات الجسم البيولوجية والنفسية قبل نقل تلك الاستشعارت للعقل والبت فيها..
انا ادرك جيدا من الناحية الفسلجية البيولوجية ان قرارات العقل سابقة على سلوك استجابات العقل اشباع العواطف الوجدانية والاخلاقية للضمير التي بخلاف دائم مع صرامة العقل الذي لا يتقبل العواطف النفسية وايعازات السلوك ما لم يتم تخليق ردود افعال الدماغ /العقل في التاكد من صلاحيتها الفكرية.. السلوك النفسي يستهدي دوما بوصاية العقل والاستجابة التنفيذية لها. لذا تكون الاخلاق والضمير وكافة المتعالقات بها لا تعمل باستقلالية عن العقل وتحديدا عن خاصية الدماغ البيولوجية.
العقل الانساني عقل خلاق يعلو قوانين الطبيعة في إدراكه الاشياء بتخليقها وليس في خلقها, قوانين العقل الانساني الوضعية هي إختراعات وليست إكتشافات مثل اكتشاف قوانين الطبيعة الثابتة. فالعقل يعقل نفسه ادراكيا ويعقل الطبيعة في قوانينها وطبيعة موجوداتها في وقت واحد, لذا دأبت الفلسفة ترديد عبارة الانسان ذات وموضوع ولا إنفكاك بينهما. بينما الطبيعة لا تمتلك عقلا تعي فيه ذاتها ولا تدرك الانسان موضوعا لها يتعايش معها بخلاف الانسان. كينونة الانسان لا تمتلك وصايتها على الضمير ولا على الاخلاق ولا على العواطف بمعزل عن طبيعة العقل الادراكية المعرفية.
كما اورد الدكتور عبد الغفار مكاوي على لسان جابرييل مارسيل وهو ايضا احد اعمدة الفلسفة الوجودية قوله ” انني وفي كل الاحوال لا اكثر من مجموع الصفات التي يمكن ان يخلعها عليّ اي بحث اقوم به لنفسي او يتولاه غيري عنه” ص8 من تقديم النص المترجم 40 صفحة فقط. هنا جبريل مارسيل يعتبر ادراك الذات لنفسها (ناقصا) وهي في نفس الوقت موضوعا لغيرها ناقص الادراك التام ايضا.
توحيد العبارتين بمعنى يجمعهما معا هو ان الانسان بعيد عن الكمال في وعيه لذاته وفي تشكيل ماهيته وكذلك في تعامله مع مجتمعه. الانسان في حقيقته ناقص الكينونة البايولوجية وناقص الكينونة المعرفية. ولا فرق هنا بين الانسان العادي الذي تتوزع اهتماماته العمل اليومي وتكوين الاسرة ومحاولته الدؤوبة تحسين اوضاعه المعيشية في تحقيق طموحاته المتسلسلة حسب الاهمية. وبين الاخر الذي يمتلك التحصيل العلمي المميز او العمل ايا يكن نوعه اوايا يكن مستواه الثقافي او المعرفي. بمعنى كينونة الانسان ليست هي تحصيله العلمي المائز عن الاخرين ولا هي الشخص امتلاكه الملايين في تغييب دور ضمير العقل في كل منحى بالحياة.
الكينونة الانسانوية هي تجنيس نوعي وليس امتيازا عقليا يشمل مجموع الجنس البشري. الكينونة لاتمثل تمام وكمال ذات الانسان بل هي تعبير عن وجود انطولوجي متكامل يحتويه جسم الانسان مع العقل والاخلاق في تنوعاتها التجاذبية الاختلافية بما لا يمكن حصره.
هنا نعرّف الانسان كينونة وجودية بغض النظر عن التمايزات التي ذكرناها انه تلك الكينونة الموجودية الناقصة التي يكون سبب النقص فيها هو نقص حدود مايدركه الانسان عن ذاته وعالمه المحيط به كائنا بيولوجيا موجودا في مجتمع وطبيعة تحكمانه. فالانسان هنا يكون مجموع حصيلتي ما يدركه كذات مفكرة من جهة وما يكتسبه من خبرة معايشته لمجتمعه من جهة اخرى. ولا ضير ان تكون تلك الكينونة موضوعا لغيرها من نفس النوع البشري الاخرين.
لذا يكون نقص كينونة الانسان ليس بعيب يرثه او يكتسبه, وانما نقص الانسان ياتي بسطوة محدودية الادراك العقلي المعرفي الفطري و الادراك العقلي الخبراتي التجريبي المكتسب في تاكيد الوجود البايولوجي الذي لا يختلف فيه عالم الذرة مع موظف ساعي البريد او عامل البناء او غير ذلك من ناحية كينونة الوجود كجسم وليس من ناحية فروقات العقل المعرفي الادراكي بين الاثنين. الكينونة بيولوجيا الوجود والعقل بيولوجيا التفكير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.