عمرو درويش يكتب | فساد المحليات

0 247

منذ عقود مضت عانت الدولة المصرية من حالة الترهل التي أصابت العديد من مفاصلها، وبالأخص الحالة المزرية التي طالت قطاع المحليات، مما كان له أبلغ الأثر في احتقان المواطن المصري وشعوره بالغبن والظلم. ومع تفشي الفساد الذي طال هذا القطاع الهام والذي يتعامل مباشرة مع احتياج المواطنين، أصبح من العسير العمل على إعادة هيكلته وضبط إيقاعه ومحاولة تصحيح مساره وتطوير منظومته حتى يكون مؤهلاً للقيام بدوره الهام كأحد أهم أذرع السلطة التنفيذية التي تعتمد عليها لتنفيذ خطط التنمية وتلبية احتياجات المواطنين.

مع الأضرار الجسيمة التي أصابت الدولة المصرية عقب أحداث الخامس والعشرين من يناير 2011، وقرار حل المجالس الشعبية المحلية المنتخبة، زادت أوضاع المحليات تأزماً وسط انكشاف كامل للسلبيات وضعف الكوادر وسوء التخطيط وانعدام الرؤية الصائبة ليس فقط لتطوير قطاع المحليات لكن أيضاً في العقليات التي كانت تدير هذا الملف الهام خلال تلك الفترة.

عقب ثورة الثلاثين من يونيو 2013 اتجهت الدولة لمحاولة ضبط هذا القطاع، والعمل على إعادة هيكلة الإدارة المحلية، انتظاراً للوقت الملائم لإجراء الانتخابات المحلية حتى تكتمل منظومة المحليات بالشكل الذي يساعد في تحقيق خطط التنمية ورؤية الدولة في 2030، وكذلك البدء بشكل نموذجي في ظل ما يتأمله المصريون من الجمهورية الجديدة.

الباحث في هذا الملف الهام يستطيع أن يرى بسهولة حالة الصراع الرهيبة بين رغبة الدولة في تصحيح مسار المحليات، وبين بعض العقول التي لاتزال قابعة في غياهب الفكر الرجعي السابق المبنى على إما قدرات محدودة ومسئولية غائبة أو التربح الحرام من جراء ابتزاز المواطنين وتعطيل مصالحهم ومعاملاتهم. فلاتزال مواقع القيادات التنفيذية بالمحافظات والوحدات المحلية والمديريات والإدارات الخدمية تعج بالأيدي المرتعشة وغير المسئولة، وكذلك بالفاسدين والبيروقراطيين الذين، ولا شك، يمثلون عبأً كبيرًا على الدولة والمواطنين على حد سواء، والوقائع والأمثلة على ذلك كثير في ظل الصعوبات والتحديات المتعددة التي يعاني منها قطاعات التفتيش في التصدي لمثل هؤلاء. كما أن الدور التنسيقي بين وزارة التنمية المحلية والمحافظات بحاجة لمزيد من الوضوح والإيجابية التي من شأنها، إذا ما تمت بلورتها بشكل مناسب، أن تعطي مردوداً أفضل بكثير مما هي عليه الان.

لعل من أهم المؤشرات الدالة على رغبة الدولة في إعادة هيكلة المحليات وتصحيح مسارها هو اختيار مجموعة متميزة من نواب المحافظين كمحاولة لضخ دماء جديدة في موقع القيادات التنفيذية، عل وعسى، على المدى القريب تكون قادرة على سد الفجوة بين ضعف بعض القيادات، والقدرة على اتخاذ القرارات المناسبة. وقد برزت قدرات العديد منهم خلال الفترة السابقة مما يُبشر بميلاد أجيال جديدة تكون قادرة على تحمل المسئوليات، وكذلك فخريجي البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب على القيادة، وتنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، وشباب مبادرة حياة كريمة، يمثلون قوة هائلة تستطيع تطوير مهاراتها من خلال التواصل المباشر مع المواطنين والاطلاع على احتياجاتهم والعمل على إيجاد حلول واقعية، بالإضافة إلى العديد من القيادات الشعبية والخبرات الوطنية القادرة على نقل الخبرات للأجيال الجديدة والعمل على تعليمهم لعدم السقوط في أخطاء الماضي.

إن الفساد في مفهومه العام هو سلوك بشري مرتبط بالغريزة في ظل غياب الرقابة، ولا أحد يستطيع الجزم بالقضاء الكامل عليه، فلسنا في المدينة الفاضلة، إلا أن النجاح يكمن في محاولة الحد من هذا السلوك وإعادة تقويمه لتحقيق الصالح العام. وفي ملف المحليات لاتزال أوجه القصور واضحة ومحوري الفساد، البيروقراطية والتربح، يمثلون تهديداً مباشراً على خطط الدولة المصرية في التحول نحو الجمهورية الجديدة وتحقيق طموحات المصريين.

إلى أن يتم إقرار القوانين الخاصة بنظام الحكم المحلي والانتخابات المحلية يظل الأمل في مجابهة الفساد يكون بتشديد الرقابة وتفعيل دورها سواء مؤسسياً أو شعبياً، تحديد صلاحيات أكثر وضوحاً وانضباطاً للوزارات والجهات والقطاعات الفاعلة في هذا الملف عوضاً عن الأدوار التنسيقية المبهمة، تفعيل مراكز التدريب والتأهيل وانتقاء العناصر القادرة على التواصل الشعبي والخدمي، ضخ الدماء الجديدة المؤهلة في مفاصل المجالس المحلية، حتى لا تعود مقولة “فساد المحليات” تُلقي بظلالها القاتمة على ربوع الجمهورية الجديدة.

 

* عمرو درويش، عضو مجلس النواب عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.