فرج أبو العز يكتب | مع سبق الإصرار

0 180

علم الإدارة العامة يتطور كل يوم، وبعد أن كان العقاب وسيلة للتقويم جاءت مدارس أخري أهمها الإدارة بالأهداف والإدارة الإنسانية ثم الإدارة بإعادة التأهيل للموظف، التي قد لا تساعده إمكاناته على أداء عمل ما بالجودة المطلوبة، انطلاقا من دور المؤسسة في توفير مناخ صحي وآمن ومستقر لموظفيها.

حديثي بمناسبة انتحار موظف شاب في إحدى شركات خدمة العملاء (الكول سنتر) بعد أن نهره مديره وأهانه استغلالًا لظروفه المادية الصعبة، بل ومنعه من استخدام المرحاض لمدة أربع ساعات وهدده بالفصل من وظيفته، فما كان منه إلا أن انتحر بإلقاء نفسه من الدور الثالث بمقر الشركة التي يعمل بها تاركًا زوجة وأطفالًا لا يجدون قوت يومهم.

رغم عدم اتفاقي مع فرضية الانتحار بشكل عام، كونه إزهاقًا لروح لا يملكها إلا خالقها، لكن هناك ظروفًا تستدعي علينا جميعا وأي مسؤول في موقعه لأن ينتبه لكلماته وتوجيهاته لموظفيه، ويعلم جيدًا أن النفس البشرية محطات متلاطمة الأمواج، وما علينا إلا أن نراعي باب جبر الخواطر، فلا أحد يعلم الظروف التي يعيشها الآخر والتي قد تدفعه قسرا للانتحار.

حادث الشابنور الدينإنذار عالي الوميض لكل المجتمع الذي عليه أن يعي جيدًا أن النجاح لا يعني الشدة والتصلب في اتخاذ قرارات، بل النجاح الحقيقي في القيادة الواعية المدركة لظروف النفس البشرية وإمكانيات كل فرد، والتي تختلف من شخص لآخر، فهناك من يتحمل الضغوط وهناك من أنهكته الضغوط لدرجة قد تدفعه للتخلص من حياته.

علينا أن ندقق أكثر في اختيار مسؤولينا في كل موقع، بحيث يكون لديهم روح الإنسان قبل المدير، وعليهم مراعاة ظروف كل فرد وعدم ممارسة الضغوط بشدة على أناس قد لا تتوفر لديهم القدرة علي تحمل الضغوط، وها هو المجتمع فقدنور الدينذلك الشاب الذي آثر أن يعمل رغم ظروفه لسداد ديون أثقلت كاهله وجعلته غير قادر علي الوفاء باحتياجات أسرته. ومعلوماتي أننور الدينكان ينتظر راتبه لسداد ديونه ليتخلص من نظرات الدائنين.

علينا أيضًا أن نُزيد من جرعات التأهيل لمديرينا والمسؤولين في كل موقع عبر برامج التنمية البشرية التي أصبحت علمًا معترفًا به في كل أنحاء العالم، فلا يصح أن يتولى المسؤولية مصاب بالنرجسية وهواية تعذيب الآخرين حتى إذا كان له كل الحق باعتبار الموظف غير قادر علي أداء عمله بالشكل الأمثل، وكان المفروض عليه بدلا من معاقبته والخصم من راتبه، بل وتهديده بالفصل، لأن يرفع من أدائه سواء بإعادة التأهيل أو بنظام التدريب على رأس العمل.

كم من الجرائم ترتكب باسم مصلحة العمل، فلا أعتقد بحال من الأحوال أن من مصلحة العمل أن يقدم موظف في شركة أو مؤسسة ما على الانتحار ليتخلص من ضغوط مديره، التي لا شك أنها كانت متكررة ودائمة إلى حد جعلت الضحية يفقد كل قواه مستسلمًا لإرادة الانتحار بهذا الشكل المهين الذي لا يدين المسؤول عن ذلك فقط ولا الشركة التي ينتمي لها، بل يدين المجتمع كله الذي فقد منابع الرحمة ومراعاة ظروف الآخر.

علينا جميعا كمسؤولين وأفراد أن نوسع من باب جبر الخواطر، لنجد العلاج الناجع لدوافع نفوسنا المتناقضة، ولنعيش في سلام اجتماعي بدلا من أن نضيف لطوابير الأرامل والأطفال اليتامى، أبا فقد إرادته، لأننا ببساطة لم نحسن التعامل مع إمكاناته التي قد تكون متواضعة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.