فهد المضحكي يكتب | أزمة المناخ وضرورة الالتزام بالتعهدات الدولية (٢-٢)

0 342

يُعد التغير المناخي أحد التحديات العالمية الكبرى في القرن الحادي والعشرين، حيث يشكل تهديدًا وجوديًا لكل كوكب الأرض وإن تفاوتت آثاره بين بلد وآخر، ووفقًا لتقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ؛ فإن الاحترار العالمي واضح لا جدال فيه، وأن درجات الحرارة العالمية تزداد باطراد وبوتيرة يصعب احتواؤها ضمن عتبة 1.5 درجة مئوية. وكما يذكر الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية د. حازم محفوظ، تشير الأدلة إلى أن ثاني أكسيد الكربون هو المحرك الرئيس للتغيرات المناخية، إلى جانب غيره من غازات الاحتباس الحراري، ويجمع الباحثون على أن أنشطة الدول المتقدمة وغيرها ممن تتمتع ببصمة كربونية عالية هي المتسببة في الاحترار العالمي، وهناك علاقة سببية بين تلك الأنشطة وبين معظم الكوارث المناخية عنها على مستوى العالم. وفي ظل عدم التزام الدول بأهداف اتفاق باريس، ستتفاقم التداعيات والعواقب، وستزداد وتيرة الظواهر المناخية المتطرفة التى سيتعذر تلافيها؛ خاصة في الدول النامية التي تتحمل تبعات سلبية ليست مسؤلة عنها، وتواجه تحديات متعددة تفوق قدراتها، خاصة مع حجم التمويل المتاح لها. يوضح تقرير «متحدون في العلوم» الصادر عام 2022 أن تأثيرات المناخ تتجه نحو منطقة دمار مجهولة، ورغم ذلك، فإن الدول ما زالت تضاعف كل عام من إنتاجها للوقود الأحفري، حيث تشير التقديرات إلى أن انبعاثات مجموعة العشرين تمثل %80 من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية، نظرا لإنتاجها واستخدامها المتزايد من الوقود الأحفوري. ووفقًا لببيانات معهد الموارد العالمية، فإن مساهمة انبعاثات الغازات الدفيئة لـ10 دول فقط تتجاوز ثلثي الانبعاثات العالمية بنسبة %68 وهي الصين، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والهند، وروسيا، واليابان، والبرازيل، واندونسيا، وكندا، وايران. وعلى الرغم من أن أوروبا مهد الثورة الصناعية التي أشعلت الكربون وغذت نظام الطاقة العالمي، فإنها في الوقت نفسه موطنًا للدول التي تعهدت بالقضاء على جميع التلوث الناتج عن الغازات الدفيئة؛ حيت أعتمد الاتحاد الأوروبي قانون المناخ الذين يحدد هدف مشترك لخفض الانبعاث بنسبة %55 بحلول عام 2030، من أجل أن تصبح أوروبا محايدة مناخيا بحلول عام 2050. ولضمان تحقيق ذلك قام بتخصيص %30 من ميزانيته الممتدة لمكافحة المناخ. وعلى الرغم من ذلك، فوفقًا لوكالة البيئة الأوروبية، فإن الإتحاد الأوروبي يعد ثالث أكبر مصدر لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري في العالم بعد الصين والولايات المتحدة، ولا تزال بعض الدول الأعضاء يعتمد اقتصادها بشكل رئيس على الفحم؛ حيث يمثل نحو ربع توليد الطاقة في الاتحاد الأوروبي، كما أن قطاع الفحم يوظف في المناجم ومحطات الطاقة 238 ألف شخص في أكثر من 100 منطقة أوروبية من بولندا إلى إسبانيا. كذلك، يقوم الاتحاد الأوروبي حاليا باستثمارات ضخمة في الوقود الأحفوري، وإنشاء بنى تحتية ذات الصلة في ظل الطاقة العالمية التي سيكون لها أكبر الأثر في تفاقم التغيرات المناخية. من مجمل ما سبق، يمكن القول إن السبب الرئيسي للتغيرات المناخية وظاهرة الاحتباس الحراري يعود إلى أنشطة الدول المتقدمة وغيرها ممن تتمتع ببصمة كربونية؛ حيث لم تلتزم معظم الحكومات بخفض الوقود الأحفوري واستخدامه، ويرجع ذلك إلى سعي كل دولة إلى تعظيم مصالحها الوطنية على حساب المصالح الدولية الجماعية المرتبطة بتغير المناخ. وقد كانت هناك تداعيات وتأثيرات ضخمة على الدول النامية؛ خاصة الدول الأقل نموا، والدول الجزرية الصغيرة النامية، ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نظرًا لخصوصية وضعها ومحدودية قدراتها على التعامل مع الأزمات والكوارث المناخية، ونظرًا لضعف الدعم المالي المقدم لها من الدول المتقدمة.

وكما أشرنا انفًا، كانت الٱمال معلقة على مؤتمر شرم الشيخ (كوب27) في تحقيق العدالة المناخية، من خلال إنشاء صندوق لتعويض الدول والمجتمعات التي تواجه أخطر الٱثار لتغير المناخ، بالإضافة إلى الوفاء بالتعهدات السابقة التي تم الاعلان عنها مسبقا في مجال الحد من المخاطر. بعبارة أخرى، أن يثبت القادة أنهم يهتمون بالناس وحياتهم وسبل عيشهم عن طريق استغلال القدرات والموارد والقوة المتاحة لهم في الاستجابة لأزمة المناخ على وجه السرعة، وسيكون تقديم التمويل تعويضًا عن الخسائر والأضرار بمثابة الاختبار الأساس لـ(كوب27)، كما قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وكي تحظى العدالة بفرصتها فليس أمام العمل السريع ترف الانتظار. العدالة تعني الوفاء بالوعود التي قطعت ولم تلب، وتشمل العدالة تخفيضات جذرية لانبعاث غازات الدفيئة وترك الوقود الأحفوري في الأرض وحماية النظم البيئية على نطاق واسع. لاتزال الموارد الطبيعية تحظى بالاهتمام وينالها الاستغلال من أجل الأرباح الاقتصادية التي تجلبها وليس قدرتها على العمل كحاجز صد الحوادث المناخية، والحفاظ على توازن الأرض وامتصاص انبعاث الكربون. اليوم نشهد تدمير الغابات بوتيرة أسرع من أن تسمح لها باستعادة نفسها في مختلف أنحاء كوكبنا، وليس هذا السبيل الأمثل إلى المضي قدما في مواجهة الأزمة المناخية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.