فهد المضحكي يكتب | الجامعات العربية والحريات الأكاديمية

0 378

من يطالع التقارير الدولية الخاصة بترتيب الجامعات في العالم، يشعر بحزن كبير عن حال الجامعات العربية وتدنّي موقعها في مراتب جامعات العالم.. وحين تناول الباحث والأكاديمي التونسي محمد مالكي موضوع الحريات الأكاديمية ضرورة لتقدم الجامعات العربية تٓساءٓل لماذا صعب على جامعاتنا العربية أن تتطور لتدنو من الجامعات المتقدمة، حتى لا نقول تلتحق بها، وتناظرها في الترتيب؟ يرى ثمة مصادر عديدة مسؤولة عن تقدم الجامعات أو تاخرها، كما أن هناك معايير تقاس على أساسها مواقع الجامعات ومراتبها، وهي واضحة ومعروفة دوليًا، ومنها مدى استقلالية الجامعات، ومقدار ممارستها للحريات الأكاديمية التي توافقت عليها الوثائق الدولية ذات العلاقة، منذ مؤتمر «نيس» الفرنسي عام 1950 تحت إشراف اليونسكو، مرورًا بالإعلانات العالمية كافة، الصادرة لحاقا في: «بولونيا» 1988، دار السلام 1990، «كمبالا» 1990، «ليما»1981، و1992. هناك علاقة تلازمية بين استقلال الجامعات وتمتعها بالحريات الأكاديمية، وفي صدارتها: الحق في البحث العلمي والحرية فيه، وضمان الاستقلالية تجاه أي ضغط سياسي، وضمان تحقيق واجب الجامعة في الارتقاء عبر التعليم والبحث، ومبادئ الحرية، والكرامة، والتضامن الإنساني، وتطوير أشكال التعاون المادي والأدبي كافة على الصعيد العالمي.

تقتضي الموضوعية عدم وضع كل الجامعات العربية في سلة واحدة، وإصدار حكم واحد في شأنها، فثمة تفاوتات وتباينات من بلد إلى آخر، وربما من جامعة إلى أخرى داخل البلد الواحد، ثم هناك اختلافات بين الجامعات الحكومية والخاصة. ومع ذلك، حين ننظر إلى حال عموم الجامعات العربية في مرآة الجامعات العالمية المتقدمة، نستطيع الجزم دون تردد أن ثمة قواسم مشتركة بين الجامعات العربية تفسر تدنّيها في الترتيب العالمي للجامعات. جدير بالذكر أن الحرية الأكاديمية تتحقق، حين يكون في مُكن أفراد المجتمع الأكاديمي من أعضاء هيئة تدريس وطلاب ممارسة حريتهم الكاملة في تداول المعرفة، دون خوف أو وجل، أو إحساس بضغط من أية جهة كانت. والحرية هنا تطال أوسع مجالات العلم والمعرفة والبحث، بما فيها ضمان عدم تدخل أية سلطة إدارية أو سياسية في مضامين المقررات والخطط الدراسية، وصيانة حق الطلاب في إبداء ٱرائهم بحرية في ما يدرسون، سواء بالقبول أو الاعتراض.. ما يعني عدم إجبارهم على التقيد بمنهجيات التلقين والحفظ واجترار المعلومات بهدف اجتياز الامتحانات ليس إلا. يشكو ضعف الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية، وإن بدرجات متفاوتة، من مجموعة من المسببات، من أبرزها البنية القانونية الحاضنة لها، والعلاقة الملتبسة بين «المجال العلمي والأكاديمي» و«المجال السياسي».

فالحاصل أن مجمل الدساتير العربية لا تتضمن أحكاما قطعية وصريحة عن الحرية الأكاديمية، وقليل منها نصت عليها، كما حصل في الدستور التونسي لعام 2014، علاوة على أن التشريعات والقوانين المنظمة للجامعات تتضمن الكثير من القيود التي تعوق تحقيق الجامعات لاستقلاليتها، بوصفها شرطًا لممارسة المجتمع الأكاديمي حريته كاملة. فقد بينت العديد من الدراسات كيف أن الأستقلال العلمي في الجامعات العربية محاط بصعوبات تُعقد إمكانية تحققه في الممارسة، سواء في ما يخص حرية المناهج والمقاربات، أو فيما يتعلق بمضامين المسافات والمقررات، ويظهر ذلك جليًا في المؤسسات الجامعية الاجتماعية والإنسانية. ثم إن الحرية الأكاديمية تحتاج إلى درجة معقولة من الاستقلال المالي، الذي يتيح للمجتمع الأكاديمي، أي للباحثين، ممارسة حريتهم البحثية تفكيرًا وإنجازًا. وللمرء أن يتساءل عن نصيب الجامعات والبحث العلمي من الميزانيات العامة لكل بلد عربي. فدول صغيرة مثل اليونان أو إسبانيا أو كوريا الجنوبية أو ماليزيا، تخصص للبحث العلمي نسبًا تفوق ما تخصصه البلاد العربية مجتمعة، بدليل ما تنتج هذه البلدان علميًا ومعرفيًا سنويًا يفوق ما تحققه نظيراتها العربية.

إن أخطر ما أصبحت تتعرض له الحريات الأكاديمية في كثير من الجامعات العربية، لاسيما في الدول التي تشهد توترات وقلاقل، تلك الضغوطات المتصاعدة باسم «الطائفية»، و«المذهبية»، والصراعات العرقية واللغوية والدينية. لذلك، ليس مفاجئًا أن تطال سلسلة من الاغتيالات كثيرًا من العلماء والأكاديميين، وأن يضطر عديد منهم على الهجرة من أوطانهم، أو في أهون الأحوال أن يرغموا على إسكات أصواتهم وتوجيه اختياراتهم البحثية وجهات أخرى لا تعكس رغبتهم ولا إرادتهم.. لعل حال العراق خير شاهد على محنة الحريات الأكاديمية في المجال العلمي العربي. والحقيقة أنه ليست النصوص القانونية وحدها المسؤولة عن ضعف الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية، بل ثمة أسباب من طبيعة ثقافية، تتعلق بعلاقة «المجال العلمي والأكاديمي» بـ«المجال السياسي، وحدود استقلالية كل واحد عن الٱخر. فمن الواضح أن المجال العلمي والمعرفي لم ينل حظه من الاستقلالية بما يكفي، وأنه يحتاج إلى خطوات جريئة وشجاعة لكي يفك ارتباطه بالمجال السياسي، ويستطيع الاشتغال بحرية، ودون ضغط أو توجيه أو إكراه. إن العلاقة بين مُنتج المعرفة وصانع السياسات موجودة ومطلوبة، لكن لابد في الوقت ذاته من توفير مناخ ثقة واعتراف متبادل، بما يسمح للعلماء وصناع المعرفة من ممارسة حرياتهم دون تبعية، ولا خوف، ولا شعور بالضغط بكل أنواعه. إن توافر الحرية الأكاديمية في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية يعتمد بدرجة كبيرة على طبيعة النظام السياسي السائد في البلد، فالدول ذات الأنظمة السياسية الديمقراطية يتحقق بظلها وجود الحرية الأكاديمية على عكس الدول ذات الأنظمة السياسية غير الديمقراطية، حيث تغيب فيها هذه الحرية».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.