لبيب سلطان يكتب | بين الفكر والأخلاق والسياسة (2-2)

0

استنتجنا من الجزء الأول من هذا المقال أن مسألة التطرف اذن ليست محصورة بالدين ، فهو في جوهره تعاليم روحانية اخلاقية، وليست في الماركسية مثلا، فهي كأي فكر انساني يدعو للعدالة والمساواة الاجتماعية، وليست في القومية، فهي كفكر تدعو لأعادة مجد سابق اوإحياء ثقافة، أو جمع امة مشتتة حول القواسم المشتركة تمهيد لنهوضها.
المشكلة في جوهرها هي مشكلة التأدلج والتكلس المتعصب المغلق لدى انصاف المتعلمين والجهلة من اعتبر ان ماتعلمه او جهزته اياه ايديولوجيته من اجابات يملك كل المعرفة ومعه كل الحق بعينه ، ومن اختلف معه في الفكر او الفكرة فهو جاحد وكافر وفاسق وعدو، انه منطق الجهلة من انصاف المتعلمين بلاشك.

لا يؤمن المثقف بالأيديولوجية الجامدة كونه يحتاج دوما لفضاء أوسع من الادلجة ليواصل البحث للوصول الى اجوبة ترضيه او يقتنع بها ليشق طريقه في بحث اخر على دروب المعرفة، وهو عكس المتأدلج، يعتنق الافكار ولكنه لايقدسها بل يحاول القفز عليها لمعرفة اوسع ولن يكتفي مهما عرف.
من عامة الناس العاديين تجد بينهم مثقفين حقيقيين من يحاول ان يجد اجوبة لأسئلته ومشاكله وتطوير فهمه لما يحيط به ويبذل جهوده ، فهو يستخدم عقله وتجاربه ومايسمعه ويراه للوصول الى فهم افضل ،فهو ايضا مثقفا مادام ليس مؤدلجا.
ان افكار الدين والفكر الفلسفي الأنساني الوضعي تتم عل يد مثقفين ومتعلمين وحكماء او قادة عظام ، ولكن تحويل افكارهم الى نصوص دينية وادلجتها كحقائق مطلقة يفرغها من هدفها ومحتواها ويجعلها اداة للتكرف ،وضحاياهم ، عدا مخالفي الدين والفكر، هم انصاف للمتعلمين وهؤلاء بدورهم يوقعون بسطاء الناس، واذا حصل الاسوء ، ووصلوا للسلطة فتقع مجتمعاتهم ضحية سهلة تحت اياديها وقمعها، وعندها تبدأ الديكتاتورية السلطوية والفكرية ومصادرة الحقوق والحريات ويبرر العقاب بأسم العقيدة الحق ، كما كان بأسم الدين ،فاكثر الناس عدوانية ووحشية هم المتأدلجون المتشددون ولعلهم هم ايضا اكثر الناس جهلا وبذاءة وفسوقا اخلاقيا وفسقا حتى فيما يعتقدون.

* لبيب سلطان: كاتب عراقي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.