لبيب سلطان يكتب | بين الفكر والأخلاق والسياسة (1-2)

0

إن الدين ،وفق فهمي ، هو حاجة انسانية قبل كل شيئ، فهو يلبي حاجة الأنسان البسيط في الأجابة على اسئلة محيرة له مثل من خلقنا وخلق الكون؟ انه الله بلاشك ، وهل نحن مدينون له كما لوالدينا؟ نعم علينا عبادته وشكره واتباع نصائحه وهي ان لا تكذب، ولاتسرق ولا تخدع ، وان نعرف الحلال ونقترب منه والحرام ونبتعد عنه ،ففيه تربية روحانية واخلاقية للأنسان ، وهل هناك مكافئة او عقاب ؟ نعم هناك الجنة للصالحين والنار للطالحين. اجوبة ومقولات بسيطة تجيب على اكثر مايشغل الانسان ليعيش مرتاح البال والضمير. ولكن قارنه مع المتدين المؤدلج ، فتجد الخير عدوانيا ومتكلسا وبذيئا.
ربما بدأت مشكلة الانسان مع الدين في تناقض المصالح في علاقاته في المجتمع والتنافس فيه والحسد والجشع وحتى استخدام الدين لأغراض ومنافع شخصية، فالدين لايوفر اجوبة بسيطة ومرضية لجميع الاطراف مثلما وفرها على المستوى الشخصي ، ومع تعقد وتطور المجتمعات برزت الحاجة اكثر لدور الفكر الانساني في تنظيم العلاقات الاجتماعية ، وبرزبوضوح اكثر التطرف الديني ضد الفكر الانساني الوضعي والذي قاده رجال الدين ضد المفكرين المتهمين بتحرير العقل لمعرفة الخير والشر مثلا، او لتمييز حاجة اجتماعية ربما تعارض نصوصا دينية مثل تعليم وتحرير المرأة أو تحريم تعدد الزوجات او حق المساواة في الرزق والأرث وحتى في اجتهادين مختلفين لنص ديني واحد، وغيرها من الاسئلة التي تجابه تطور علاقات المجتمع فبرز التطرف الديني ليحارب الفكر والعلم ومازال هكذا موقفه لليوم.
ان التكلس الديني حول النص الرباني المقدس عند المتدينين ربما كان هو سبب التطرف، اضافة طبعا لتضارب مصالح رجال الدين ومؤسساتهم الدينية التي ترى ان اي خروج عن النص باسم اصلاح المجتمع هو خروج على الله وعلى الدين ويجب محاربته ككفر مبين، فحرمة الدين في نصوصه هي فوق اي اجتهاد فكري او عقلي حتى وان كانت في صالح الفرد او المجتمع ، وهكذا تخلف الدين عن ركب تطور الحضارة ولكن المتطرف والمتكلس منهم قام بادلجة الدين سياسيا، كما عند الاخوان وسيد قطب في سبيل تعبئة العامة لمصالح سياسية واعتقادات شخصية للسير في طريق الشريعة والحصول على الجاه والنعمة في الحياة والثواب والجنة في الآخرة، وبعضهم, الأكثر جهلا ، اقام حركات التطرف الديني من الاخوان لتعمل حد السيف وحكم النص بالكافر والمتزندق في الحياة الدنيا قبل عقاب الله في الآخرة، وكلما أزداد المرء تكلسا حول النصوص كلما ازداد تطرفا وعدوانية ، هذا مايثبته اليوم علم سيكولوجية التطرف بكل انواعه الديني والسياسي عموما.
الغريب في الامر ان الفكر الوضعي الذي وضعه العقل المتحرر للتخلص من التسلط الديني وتغييبه لدور العقل قد وقع في نفس الفخ الذي وقع فيه المتدينون، واصبح بعض اتباع المذاهب الفكرية متدينون في النص ومتقيدون به ومنه نشأت الأيديولوجيا الفكرية السياسية. ونجحت ادلجة بعض هذه المذاهب الفكرية، ومنها الماركسية مثلا، كما نجح الدين قبلها ، في تقديم اجوبة سهلة وجاهزة على الاسئلة التي تواجه الانسان في علاقات المجتمع، واتخذها العوام من المتعلمين دينا جديدا ، فاذا سألت، لماذا المرأة محجبة في العالم العربي ؟ سيجيبك المتؤدلج انه بسبب صراع الطبقات ، ولماذا لا نأخذ بالديمقراطية ؟ يجيبك انها بدعة برجوازية لتبقي على الطبقات وعلى استغلالها للطبقة العاملة ، فالأيديولوجية وسيلة سهلة لتجهيز الأجابات الجاهزة على الاسئلة التي تواجه الفرد والمجتمع ، وكلما يزداد المؤدلج جهلا تجده اكثر تطرفا بل وابتذالا وتبريرا للقتل والسلخ لمن يخالف، والانظمة الايديولوجية كما في النظم الدينية التي سادت لأكثر من الف عام، استخدمت نفس الوسائل واساليب العنف والقتل مع من اختلف معها في الفكر والمقولات، فالديني المتطرف يقتل من ينادي بحرية الفكر ويتهمه بالكفر والالحاد والمؤدلج الماركسي مثلا يمكنه قتل مخالفه بتهمة العمالة للبرجوازية والمبريالية والتآمر على مصلحة الطبقة العاملة كما حدث في روسيا والصين مثلا.
ومثلهما مارس الفكر القومي، فأقام انظمة قمعية وديكتاتورية ومارس الارهاب على اتباع اي تيارتحرري ضد الديكتاتورية، وهو قتل الماركسي والمتدين والمتمدن جميعا بتهمة العمالة وخيانة الامة وباسم حماية مصالح الأمة ، وكلما ازداد اتباع المذهب القومي جهلا كلما ازدادت عدوانيتهم وتطرفهم، كما رأينا في النظام الصدامي وازلامه القتلة والمجرمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.