محمد الأسيوطي يكتب | التربية القومية وفق معايير «مارك»

0 384

التربية القومية؛ هي تربية النشء على كل ما له علاقة بالطابع الفكري والثقافي لبلده وإقليمه، وهي ميراث عظيم، لا يقل أهمية عن الأموال والأطيان.
وبرز الاهتمام بالتربية القومية؛ كرد فعل طبيعي على العدوان الغربي على دول العرب، ونشأة أفكار «الوحدة العربية»، وكان هذا التحرك لسببين رئيسيين؛ الأول يتمثل في مواجهة التغريب، المتغلغل في بلاد المشرق العربي؛ نتيجة الاحتلال، والثاني، هو إعداد دستور «غير مُبرم» لحركات التحرر الوطني العربية؛ لربط النضال ضد الفسدة والمحتلين والطابور الخامس.

ومنذ ذلك الوقت، وحتى يومنا هذا؛ تمثل «القومية العربية»، أهم محاور التوجيه والإرشاد للسياسات المعاصرة، مهما تغيرت الثقافات، وتطورت الأدوات والأزمنة.
ولا تتعارض القومية العربية مع حقوق الإنسان العالمية، أو الديمقراطية أو العدالة أو أي من قيم الخير؛ فهي فقط «طابع تاريخي وأخلاقي وإقليمي ولغوي» جامع لأهل قُطرٍ واحد، من أهم وأعرق أقطار العالم.
لكنها- القومية العربية- ذات مرجعية روحية، تعلو على حدود القوميات، فهي باختصار «تأصيل وإحياء» لجينات وسمات الأجداد العرب، وكان لنشأتها الاشتراكية، القائمة على عدم التفريق بين كل البشر والطبقات والأجناس والتعاون والحب والتآخي؛ الدور البالغ في استمرارية الاتفاق عليها لأكثر من نصف قرن من الزمان.
وبعد نجاح الحركات الوطنية العربية في تحرير بلادها، والوصول إلى الحكم، والربط بين كل القطر العربي، صاحب الفكر والموروث الثقافي الواحد؛ كان لحصة التربية القومية في المدارس، عناية كبيرة من المسؤولين، وكانت الأفكار العربية العريقة، يُربَّى عليها النشء، دون أي تشويش أو قمع، حتى جاءت الثورة الرقمية، والتحول الرقمي، والذي فيه خير كثير، وأصبح للجميع، حضور، على منصات ومواقع التواصل الاجتماعي، والألعاب والأجهزة الذكية.
وأخذت التكنولوجيا مساحة كبيرة من أوقات الجميع، لا سيما الأطفال والشباب؛ لأنه زمانهم هم بالأساس، ولهذا التحول المفاجئ، خطورة بالغة من أوجه عدة، لكن أتناول بين يديكم الآن، «الاحتلال الثقافي»، الذي تسلل إلينا دون نقطة دم ولا رصاصة واحدة.
فالطفل والشاب الآن، ملتزم تماما بـ«معايير مارك»، أقصد «سياسات الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي»، ويتدرب عليها يوميًّا، ويحفظها ويجيدها أكثر من أهلها؛ وهو ما يجب الالتفات إليه، قبل أن تُخطف منا الأجيال القادمة، وبكامل إرادتنا، وتضيع الهوية في «تطبيق» و«موقع» و«لعبة»، بين ليلة وضحاها. حفظ الله أمتنا العربية.. وردَّ لنا قوتنا وعزنا.. «إنه على كل شيء قدير»

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.