محمد عمارة تقي الدين يكتب | التسامح الديني كضرورة حتمية (١ – ٢)

0 41

“لا سلام بين الأمم بغير سلام بين الأديان”، تلك هي قناعة العالم الشهير هانز كونج التي بدونها، وفق ما يذهب إليه، لن يتحقق السلام على الأرض، وأنا أقول، لن يكون ذلك بالإمكان من دون إعادة موضعة قيم التسامح والتراحم الإنساني في مركز العقائد.
فعلينا أن نعترف أننا في عالم تتزايد فيه الأصوليات والجماعات الدينية المتطرفة بشكل مُقلق، تلك الأصوليات التي أنتجت أنماطًا دينية سحقت إنسانية الإنسان بمطرقة الجبر والتشدد، واغتالت روحه بسيف التعصب، وأهدرت كرامته تحت سياط الطاعة العمياء، وجعلته محكومًا بجبرية حديدية لا يملك منها فكاكاً، وكائنًا عاجزًا أمام وجوده المتعين خاضعاً لمفردات مصيره ومخلوقًا مسلوب الإرادة كريشة في مهب الريح، في حين أن الأديان في إصدارها الأول جاءت لتضع الإنسان في مركز هذا الكون وبؤرته المركزية وأوكلته بمسؤولياته التي حددها له خالقه.
تلك الأطروحات اللاإنسانية التي كان لها كبير الأثر فيما نشهده من صراعات وحروب في هذا العالم، ومن ثم يتحتم الإصغاء لمعادلة مفادها أنه لن نستطيع تطبيق صيغة سلام على هذا الكوكب، أو حتى الوصول بالعنف والحروب لحدها الأدنى من دون استدعاء جوهر التراحم والتسامح الإنساني الكامن في كل الأديان ليتخذ موقعه في مركز العقيدة وفي ذات الوقت علينا إقصاء أطروحات العنف والتشدد التي حاولت اختطافها.
فهي إذن متتالية من خطوتين: (الإحلال والإزاحة): أي إزاحة أطروحات العنف من مركز العقائد وإحلال أطروحات التراحم والتسامح محلها، ليعود الدين أكثر قربًا من إصداره الأول، إصدار السماء: إنسانيًا قيميًا تراحميًا.
وفي هذا الشأن يرى الطبيب والفيلسوف الألماني ألبرت إشفايتزر أن المستقبل سيكون للأديان الأخلاقية التي من شأنها أن تُظهر انحيازًا أكبر للقيم الإنسانية الخالدة واحترام كرامته وتأكيد حريته، في حين أن كل دين – أوكل نمط ديني لتكون الجملة أكثر انضباطاً – يقف ضد هذه القيم الأخلاقية ذات النزعة التراحمية سيكون مصيره الخفوت والانكفاء ومن ثم التلاشي، إذ لن يكن بمقدوره مسايرة وتلبية تطلعات البشرية وما يُمليه الواقع من مستجدات لانهائية تزيد حاجة الإنسانية لإحداث تلاحم إنساني عالمي.
فها هي البشرية وقد طارت بجناحين: أحدهما عملاق وهو التقدم المادي، والآخر قزمته صراعات طويلة وأطروحات إقصائية، وهو التقدم الروحي، فاختل الطيران وكادت أن تسقط،
هي إذن بحاجة لخطة عاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بقايا الروح التي قوضتها مرحلة ما بعد الحداثة فسقط الإنسان في هُوّة العدمية وفقدان المعنى، وكما يُقال فكل تقدم مادي يتطلب تقدمًا روحيًا يفوقه أو على الأقل يساويه لتستقيم المسيرة الإنسانية.
وبالعودة للدين واختطافه باتجاه العنف فمن المهم أن نُدرك أن أيديولوجيات العنف الديني ما كان لها أن تحقق هذا الانتشار الهائل إلا عبر قراءة الدين قراءة خاطئة ومنحرفة.
فواحدة من الجرائم الكبرى التي ترتكبها جماعات التشدد والعنف بحق الدين هي محاولة صبه، عبر تلك القراءة الخاطئة، في قالب أيديولوجي حديدي يستحيل معه أن يُفهم الدين إلا من خلاله، ومن ثم يتم تطويع كل عقائد الدين لتبرير هذه الأيديولوجيا، فنجد أنفسنا في نهاية الأمر أمام دين جديد مخالف تمامًا لدين التأسيس بل ومضاد ومعادٍ له في كثير من الأحوال.
إذ عبر إتّباع إستراتيجية الإحلال والإزاحة، وكما سبق القول، أزاحت تلك القراءة القيم والرؤى الإنسانية التراحمية النائمة في أعماق النسق الديني وفي بؤرته المركزية وأحلت مكانها أطروحات العنف والتشدد ونفي الآخر بإطلاقه ليتمحور الدين حولها ويدور في فلكها، فقد جرى استيعابه داخلها، وأصبح لا يُفهم إلا من خلال أيديولوجيتها العنيفة والمغلقة، وإنه ليس من مخرج من هذا المأزق إلا بإعادة إحياء هذه القيم الإنسانية في الدين وردّها مرة أخرى ردًا جميلًا لمكانتها المركزية.
لقد تأكدت قناعة لديَّ مفادها أن الدين مُجمل يمكن قراءته قراءتين مغايرتين ومتناقضتين تمامًا: قراءة على قاعدة العنف، أو قراءة أخرى على قاعدة التسامح، وكما يقول علي شريعتي:”الدين ظاهرة مدهشة تلعب في حياة الناس أدوارًا متناقضة، يمكن له أن يدمر، أو أن يبعث الحيوية، يستجلب النوم أو يدعو إلى الصحو، يستعبد أو يحرر، يعلم الخنوع أو يعلم الثورة”، من هنا يجب أن تتأسس متتالية مفادها:”أية رؤية ضد الإنسان هي حتمًا ضد إرادة الله، وأية رؤية تؤكد حرية الإنسان وتحترم كرامته هي ذاتها إرادة الله”.
يري عبد الجبار الرفاعي، وهو مُحِق في ذلك، أنه ليس من سبيل لإنقاذ تلك النزعة الإنسانية في الدين من دون” التحرر من الصورة النمطية للإله التي تشكلت في سياق الصراعات الدامية والفتن والحروب العديدة بين الفرق والمذاهب باعتباره إله حرب وقتل وإبادة، والسعي لترسيخ صورة رحمانية للإله تستلهم ما يتحلى به من صفاته الجمالية ورحمته التي وسعت كل شيء”، وذلك عبر الانخراط في عقد مصالحة كبرى ومواءمة حقيقية بين من يحمل قناعات دينية وبين ظروف عصره على كل إكراهاتها.
لقد دعا العلامة جمال الدين الأفغاني إلى المساواة بين كل بني الإنسان على اختلاف أديانهم والانطلاق من المشترك بين الأديان السماوية وهو الحض على فعل الخير والابتعاد عن الشرور لتأسيس مجتمع إنساني عالمي جديد، يقول في ذلك:”لا ترى في الأديان الثلاثة ما يخالف نفع المجموع البشرى بل بالعكس تحضه على أن يعمل الخير المطلق مع أخيه وقريبه وتحظر عليه عمل الشر مع أي إنسان كان”
وفي الحضارة الغربية وعلى الرغم من تاريخها الدموي ضد المخالفين في العقيدة بل وفي المذهب إلا أن عصورها لم تخلو من المفكرين المنادين بدعوات التسامح الديني وإطلاق الحريات الدينية للجميع، فها هو الفيلسوف الانجليزي التنويري جون لوك كتابه الرائع”رسالة في التسامح” وقد دعا فيه إلى القضاء على بنية التفكير الأحادي وروح التعصب الديني وإقامة صرح الدين وتأسيسه على العقل والتفكير العقلاني يقول لوك:”خلاص النفوس من شأن الله وحده…ثم إن الله لم يفوض أحدًا في أن يفرض على أي إنسان دينًا معينًا… وأن قوة الدين الحق كامنة في اقتناع العقل، أي كامنة في باطن الإنسان”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.