محمد فرج يكتب: نحو مشروع سياسي ثقافي

0

على الرغم من التقدم للأمام في مصر، عبر التحالف بين الشعب والجيش، بعيدًا عن سيناريو سوريا وليبيا واليمن، خاصة بعد ثورة 30 يونيو وخارطة المستقبل في 3 يوليو 2013، إلا أن خطر جماعات العنف والتطرف والإرهاب الطائفي الإخواني والداعشي مازال خطرًا قائمًا، ومخططات هدم الدولة الوطنية وتمزيق المجتمع المصري، والمجتمعات العربية، ومحاولات تحويلها إلى دويلات طائفية وعرقية متصارعة مازالت قائمة، ومشروع الشرق الأوسط الكبير يظل حاضرًا وخرائطه جاهزة للتنفيذ.

يمكن القول إن مصر بعد 11 سنة على ثورة يناير، مازالت مفتوحة على تناقضات وتحديات ومخاطر لابد من الوعي بها، ومن بين هذه التناقضات والمخاطر على جبهة الوعي، نجد أن المجتمع المصري مازال محملًا بصراع ثقافي معقد بين الحداثة والتخلف، بين خطوات التقدم نحو المستقبل ومخططات العودة إلى الماضي البعيد، بين قوى وتيارات الحداثة والعلم والعقلانية، والقوى والتيارات السياسية والاجتماعية المحملة بثقافات القرون الوسطى وثقافات وقيم مجتمعات ما قبل الرأسمالية، وهذا الصراع الثقافي يظهر في مجالات الفكر والإعلام والثقافة والبنية القيمية للمجتمع، بين أنصار الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة وأنصار الدولة الدينية والطائفية، بين المنادين بحرية الفكر والاعتقاد وضرورة تجديد الفكر السياسي والثقافي والديني، والرافضين والمعوقين لهذه الدعوات، وهو صراع يتغلغل بعمق في المجتمع بين فئاته و طبقاته ومستوياته المختلفة في الريف والمدينة، ويظهر في القضايا الكبرى، مثل قضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والأدبية والفنية وحرية الفكر والاعتقاد، وقضايا وسلوكيات الحياة اليومية.

على الرغم من التقدم في العديد من المجالات، فإن بلادنا مازالت تواجه العديد من التحديات والتناقضات، وعلى رأسها تحدي الحفاظ على وحدة وسلامة الدولة الوطنية، وبناء نموذج التنمية الاقتصادية والاجتماعية الملائمة في الريف والمدينة، والتصنيع وبناء الصناعة الوطنية، والعدالة في توزيع الأعباء، والعدالة الاجتماعية، ونموذج الديمقراطية والمشاركة الشعبية، والحداثة والعقلانية، في مواجهة ثقافات القرون الوسطى، وفي مواجهة الطفيلية وشبكات الفساد.

إن هذه التحديات والتناقضات، تحتاج من أجل مواجهتها مواجهة فعالة، إلى ضرورة بناء حلف وطني واسع، من التيارات السياسية والفئات الاجتماعية والقوى الوطنية، وأن يقوم هذا التحالف الوطني بتقديم عدة مبادرات عملية لاستنهاض الحياة السياسية، ودفع القوى الحزبية نحو القيام بدورها في تطوير العمل السياسي، والحوار السياسي، وإعادة الاعتبار للنشاط السياسي الحزبي كمدرسة للعمل السياسي والثقافي في المجتمع، وجذب الشباب نحو النشاط السياسي والاجتماعي والثقافي والوطني، بعيدًا عن نزعات اللامبالاة و التطرف والإحباط، ونزعات الانكفاء على الذات والفردية والعدمية، وتقديم مبادرات جديدة لدعم المشاركة الشعبية والثقافية، ودفع النشاط الثقافي الأدبي والفني نحو استعادة النهضة الفنية: الغنائية والدرامية والمسرحية والسينمائية، ودعم الجماعات الثقافية وندواتها التنويرية، وعودة حصص الرسم والموسيقى والمكتبة إلى المدارس، وتطوير البرامج الثقافية والأدبية والفنية في وسائل الإعلام، والقيام بمبادرات جديدة للحوار الثقافي، والعقلاني والعلمي، ومد هذه الأنشطة إلى المحافظات والمراكز والقرى، وفتح مراكز الشباب وبيوت وقصور الثقافة لتقوم بدورها الثقافي والتنويري، بهدف انتشال المجتمع المصري من قيم التطرف والتعصب والخرافة، وانتشاله من قيود ثقافات التخلف والرجعية، وإنقاذه من حوارات وصراعات وحروب القرون الوسطى، الطائفية والمذهبية والعرقية، والدفع بمكوناته الاجتماعية والشعبية، ونخبه السياسية والثقافية نحو الوعي بعصر المواطنة والعقلانية، والحداثة والتنوير، والتضامن والعدالة، والمساواة وعدم التمييز، والتعاون والعدالة الاجتماعية، والموضوعية والتفكير العلمي.

 

* محمد فرج، الأمين العام المساعد لحزب التجمع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.