محمد كريم الساعدي يكتب | الوعي والهوية الجمالية (٣ – ٣)

0

يقسم الجمال في طبيعته وأشتغالاته الى قسمين هما :
• القسم النظري : ” يبحث في الصفات المشتركة بين الأشياء الجميلة التي تولد الشعور بالجمال ، فيحلل هذا الشعور تحليلأ نفسياً ، ويفسر طبيعة الجمال تفسيراً فلسفياً ، ويحدد الشروط التي يتميز بها الجميل من القبيح . فهو إذن علم قاعدي أو معياري (Normatif) كالمنطق والأخلاق ، فكما أن المنطق يحدد القوانين التي تعرف بها الصحيح من الفاسد ، كذلك علم الجمال فهو يحدد القوانين التي بها يتميز الجميل من القبيح “(4). والقواعد والمعايير يطلقها العقل تجاه الموضوعات الجمالية ، في الاصل استقاها من أشياء حملت هذه الموضوعات ، وهذه المعايير لم تأتي من شيء جمالي واحد فقط ، ولا من تجربة جمالية واحدة فقط ، بل جاءت نتيجة عمل وجهد للوصول الى هذه الأحكام والمعايير الجمالية ، فالفعل الجمالي الذي مارسه المتبني لهذه المعايير هو بالفعل عمل مستمر ناتج عن تبني نقاط مشتركة في أكثر من موضوع جمالي للوصول الى النقاط المشتركة في الكلي الجمالي ، والمعطى العملي الجمالي يتأتى من المنظور العملي الذي يمارس في الجمال الكلي المستقى من التجارب العملية الفنية في أطارها الفني ،أو النماذج الفنية التي مارس من خلالها الدارس للجمال ممارسات تكشف عن طبيعة الظواهر الجمالية فيها من أجل اختصارها في معايير تصبح هي القواعد للتصور الجمالي.
القسم العملي : ” يبحث في مختلف صور الفن ، ويقدم نماذجه المفردة ، ويطلق على هذا القسم أسم النقد الفني ، وهو لا يقوم على الذوق وحده ، بل يقوم على العقل ايضاً ، لأن قيمة الأثر الفني لا تقاس بما يولده في النفس من الإحساس فحسب ، بل تقاس بنسبته الى الصور الغائية التي يتمثلها العقل “(5) ، فالذوق والعقل ، هذه الثنائية التي يتشكل من خلالها الاحكام الجمالية بصورة عامة ، فلا الذوق وحده من يعطي للممارس في الذوق الجمالي أمكانية أطلاق أحكام جمالية تجاه العمل الفني ، ولا المتأمل وحده يفعل ذلك دون أن يركن الى الذوق ، وكلاهما من يحقق صورة الاحكام الجمالية ومعاييرها الذوقية في تكوين الصور الذهنية التي تمتلك صفة الجمال ، والعملية المشتركة بين ما هو نظري وما هو عملي في بناء المعايير الجمالية هي من تحقق للظاهرة الجمالية التي تعكس الهوية الجمالية في أطارها الكلي في عصر من العصور . أما المفهوم الخاص بالجمال من وجهة نظر المتفكر الجمالي ، الذي يعد الجمال ” صفة تُلحظ في الأشياء ، وتبعث في النفس السرور والرضا . والجمال من الصفات ما يتعلق بالرضا وللطف ، وهو أحد المفاهيم الثلاثة التي تنسب اليها أحكام القيم ، أعني الجمال ، والحق ، والخير (…) والجمال والقبح بالنسبة الى الانفعال كالخير والشر بالنسبة الى الفعل ، والحق والباطل بالنسبة الى العقل ، والجمال مرادف للحُسن وهو تناسب الأعضاء ” (6)، فالنفس الإنسانية تبقى دائماً تبحث عما يدخل عليها السرور والفرح حتى يتشكل فيها مبدأ الجمال ، ويتشكل مع الحق في العقل والخير في الافعال والجمال في التكوين الحسي والشعوري عند الفرد ، فمن هذه المرادفات واشتغالاتها يبرز لدينا مكانة للجمال بين المفاهيم الثلاثة التي تشكل مبدأ الهوية الجمالية لدى الانسان وأحكامه القيمة المتعلقة بهذه الظاهرة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.