مرزوق الحلالي يكتب | الحكومات جزء من المشكلة وليس من الحل

0 204

إن الطبقات الحاكمة مذنبة بتقاعسها بفعل عدم تحركها اتجاه المناخ، بل انها أسوأ من ذلك. إنها مذنبة ومسؤولة عن السياسات التطويعية الشرسة التي تفاقم الأزمة – لاعتقادها أنها ستطيع أن تطوع الواقع بإرادتها. وبالتالي، لا داعي لمناشدة هؤلاء لبذل إي مجهود، بدلاً من ذلك، يجب أن يكون الشروع، من قاعدة المجتمع، بإعادة تحديد طرق حياتنا و وطبيعة احتياجاتنا. كتوحيد المقاومة ضد حوسبة العمل والحياة اليومية على سبيل المثال.

منذ نهاية عام 2018، أصبحت فكرة أن الحكومات في جميع أنحاء العالم لا تفعل ما يكفي لمكافحة الاحتباس الحراري ظل موضوعًا للنقاش العام. هذه الفكرة هي أساس إطلاق الإجراء القانوني من طرف منظمات بيئية غير حكومية والتي أدرجت تحت الشعار المذهل “قضية القرن”.
إنها مضمون صرخة الشابة السويدية ، “غريتا ثونبرج”، التي حظيت بتغطية إعلامية كبيرة. وهذا بدوره شكل السبب الرئيسي للمظاهرات المتكررة لمئات الآلاف من الناس، وخاصة طلاب المدارس الثانوية والجامعات ، الذين كانوا يسيرون في مسيرات غفيرة من أجل المناخ في المدن الغربية منذ ديسمبر الماضي.
إن الوضع غريب حقا: المزيد والمزيد من الناس يقولون إنهم يناضلون “من أجل المناخ”، ويطالبون الدول بالمشاركة بنشاط أكبر وجدي في هذه “المعركة”. هذا المطلب، أول ما يعنيه أنه يعني طبعا أنهم يريدون سلطة عامة تحميهم من استبداد المصالح الخاصة، الذي يقودنا إلى كارثة. هذا مطلب مشروع لا محالة، لكنه يعكس نوعا من العمى عن أداء المجتمع الحالي والدور الذي تلعبه الدولة فيه. وعليه وجبت إعادة التأكيد على أنه لا يمكن لعمل النشطاء أن يكون له التأثير الفعلي من أجل الحد من التدهور المناخي والإيكولوجي المؤلم دون التشكيك بعمق في المجتمع والمؤسسات الرئيسية التي تهيمن عليه.
إن مصدر الاحتباس الحراري ، مثل الانقراض الهائل للأنواع الحية ، يكمن في الأداء العادي للمجتمع الصناعي: مجتمع ظهر قبل قرنين من الزمان ، إذ لا يمكن لمنطق نموه والحاجة إلى المكننة والتوق إلى المزيد من النفود إلا أن يؤدي إلى تفاقم التدمير «المستدام” بالفعل وإلى تعميق الأضرار بالبيئة الطبيعية.
تلعب الحكومات دورًا مركزيًا في تفاقم أزمة المناخ.
على الرغم من الإنذارات التي أثارتها العقول النيرة في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ، فإن نهب البيئة الحيوية ظل ف جنونيا على امتداد عدة عقود، كما ظلت الحكومات تلعب دورًا مركزيًا في قلب هذا السباق المحموم – سيما عندما تنكر خطورة الموقف عندما تشعر بالقلق وتعلن عن ذلك بصوت عالٍ وفي واضحة النهار. كما أن الفضيحة البيئية للطاقات المتجددة هي بلا شك أنجح توضيح لحقيقة أن الدول تفعل ما يكفي بالفعل باسم الاحتباس الحراري: إنها تتصرف في الاتجاه الخاطئ ، بالتمام والكمال، أي تتمسك بالسعي لتحقيق النمو بوسائل متنوعة، وهذا في الوقت الذي كان عليها أن النمط التنموي المعتمد. فالمشكل الجوهري يكمن في طبيعة هذا النمط في حد ذاته ولن يكون كافيا استبدال آليات ووسائل وأدوات لإبقاء طبيعته الجوهرية كما هي. هذا هو لب المشكل.
فهل سبق أن سمعنا رئيس دولة يقول إنه يجب كبح تطور النقل الجوي؟ ولكن بدلاً من الخوض في هذا الموضوع الموثق جيدًا وبما يكفي أو يزيد منذ مدة، سنعكف باختصار على مثالين ، يوضحان كيف أن الدول ليس لديها أي نية على الإطلاق “للاستيقاظ” ومراعاة “حالة الطوارئ المناخية” والتعامل معها بالجدية التي تستوجبها درجة خطورتها: النقل الجوي وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات (ICT).
يعلم الجميع اليوم، علم اليقين، أنه عندما يتعلق الأمر بالنقل الجوي ، فلا شيء أسوأ من لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتج عن الطيران. ومع ذلك، هل سمعنا من قبل رئيس دولة أو وزير يشير إلى الضرورة الملحة، طويلة الأمد، لكبح التطور الجنوني الذي يعرفه النقل الجوي؟
هناك توجه عالمي أكيد وثابت. تتوقع منظمة الطيران المدني الدولي 6 مليارات مسافر سنويًا اعتبارًا من سنة 2030 (مقارنة بـ 3.3 في عام 2014) ؛ كما أعلن الاتحاد الدولي للنقل الجوي عن مضاعفة الحركة العالمية بحلول عام 2036.
من يجرؤ على القول بصوت عال وواضح أنه يجب وقف توسع الإنترنت والتخلي عن نمط الحياة المتصل؟
من هم المسؤولون الحكوميون الذين تجاهلوا هذه التوقعات؟ هل يمكننا أن نعتقد أن هذه الأرقام هي نتيجة تطور عادي وعفوي للاحتياجات الفعلية وأنها ليست نتيجة سياسات عامة استباقية ، في كل مكان في العالم ، لتسريع هذه الاتجاهات المجنونة؟ كيف يمكن أن نتحدث عن التقاعس عن العمل بشأن المناخ ، عندما تنفق الدول مليارات الدولارات حتى نتمكن من الوصول تحقيق ما هو مخطط له مسبقا في مدة 15 أو 20 سنة، وهذا انطلاقا من وضع كارثي لا يطاق حاليا بالفعل، فكيف سيكون هذا الوضع بعد 15 أو 20 سنة؟ أليس هذا عبث لا يمكن تفسيره إلا بنهم الأرباح والفوائد والمصالح الضيقة ولو على حساب تدمير الحياة على الكوكب؟
والأمر نفسه ينطبق على تطوير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وهو موضوع أجمعت آراء الخبراء أنه مصدر قوي لإطلاق الحرارة على الأرض. هل هناك أي حكومة اليوم لا تجعل من الابتكار التكنولوجي أحد أهم أولويتها من أجل تقوية اقتصادها الوطني وتحسين تنافسيتها في الأسواق العالمية؟ ما هي الدولة في العالم التي لا تتوقع ولا ترغب في أن يكون هناك المزيد من المواطنين في المستقبل القريب مجهزين بالهواتف الذكية والآليات المتصلة بالشبكة العنكبوتية في المنازل ، ومع خدمات عبر الإنترنت ، ومع مراكز بيانات قادرة على تحمل حركة الإنترنت المتزايدة باستمرار؟ في جميع البلدان الصناعية ، يتم تعبئة السلطات العامة لحوسبة المدارس ، وامتصاص مناطق الظل في أراضيها ، ونشر عدادات ذكية ، وهوائيات وأقمار صناعية تسمح ببث ما يسمى بموجات “5G”.
وهذه هي الطريقة التي تعلن بها جملة من الإسقاطات على أن الإنترنت سيصبح أكبر عنصر استهلاك للكهرباء في العالم في عام 2030: يمكن أن تكون كمية الكهرباء التي يستهلكها نظام الكمبيوتر معادلة لتلك التي استهلكتها البشرية بشكل إجمالي في عام 2008! هنا مرة أخرى ، من المستحيل اعتبار أن الاستهلاك العالمي للكهرباء في عام 2008 كان مستدامًا بيئيًا. ولكن بسبب العمل المشترك للدول وشركات الهاتف الخاصة وشركات الويب الكبيرة ، فإن هذا الاستهلاك آخذ في الازدياد بطريقة يصعب تصورها. حتى من وجهة نظر الأشخاص الذين يرفضون احتمال حدوث انخفاض ، والذين يعتقدون أن مجرد تعديل بسيط للنشاط الصناعي يمكن أن يكون كافيًا ، يجب أن يبدو مثل هذا الانفجار مجنونا وإجراميًا … لكن لا: من يفكر في التصريح بصوت عالٍ وقوي أننا يجب أن نوقف توسع الإنترنت والتخلي عن أسلوب الحياة المتصل، لإعطاء أدنى فرصة لاستمرار الحياة على الأرض؟ لا أحد تقريبا يمكنه اليوم أن يمكر بهذا الشكل.
الأمر واضح ، وضوح الشمس ، اعتبارا لخطورة الوضع على الصعيد البيئي ، المنطق والعقل السليمين يقران أنه يجب أن نحد بشكل كبير من استخدامنا لتقنيات تكنولوجيا المعلومات، فمن من صناع القرار ورجال الأعمال وأصحاب الرساميل سيقر بهذا؟ لا أحد.
ومع ذلك ، لنكن واضحين ، فإن قبول تكاثر مراكز البيانات يعني تشجيع ارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي عن طريق أنظمة تكييف الهواء التي تعمل على تبريد آلاف الخوادم – server – حيث يتم تخزين بيانات الويب. كما يعني قبول انتشار الأجهزة الإلكترونية تأييد مشاريع التعدين المدمرة بشكل متزايد في جميع أنحاء العالم لتزويد الصناعة الرقمية بالذهب والفضة و”الليثيوم” – , lithium – و”الإيتريوم” – yttrium – و”التنغستن” – tungstène – أو “التنتالوم” – tantale-.
بما أن أنظمة تكييف الهواء كثيفة الاستهلاك للطاقة تعمل على تبريد آلاف الخوادم ، حيث يتم تخزين بياناتنا الرقمية. وبما أنه يجب إنفاق المزيد والمزيد من الطاقة لاستخراج هذه المعادن وطحنها ومعالجتها وتنقيتها، فإن هذا يعني، بكل وضوح ودون مواربة، التغاضي عن ظاهرة الاحتباس الحراري. وهذا أمر خطير وخطير جدا.
لذلك يجب علينا أن نواجه الحقيقة المخيفة، وجها لوجه، المتمثلة في أن الطبقات الحاكمة في الدول وصناع القرار والقيمون على الاقتصاد في البلدان، كل هؤلاء، يبذلون ما في وسعهم لتفاقم الوضع البيئي ولا يمكن تصور العكس بأي وجه من الوجوه. وما يتعين فعله بدلاً من ذلك هو صعب للغاية. يجب أن نبدأ، على المستوى الشعبي ، في إعادة تحديد أساليب حياتنا واحتياجاتنا – على سبيل المثال ، التنظيم معًا لتقليل استخدامنا لتكنولوجيا المعلومات بشكل كبير. وفي الوقت نفسه، سيتعين علينا إنشاء نوع جديد من السلطة السياسية، استنادًا إلى مشاركة الناس بشكل واسع جدا للكف عن تعزيز ومساندة الصناعات المفترسة الكبيرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.