مصطفى بودغية يكتب | عنف كرة القدم

0 190

انحدرت الكثير من الرياضات، من ميادين الحرب والقتال، مثل الرماية بأنواعها: الرمح، القوس، البندقية، الفروسية، أنواع المصارعة، القفز، السباحة، الجري… حتى المارثون أصله من مدينة “مارثون” اليونانية، المكان الذي انطلق منه جندي، مشهور بسرعته وطول نفَسه في العدو نحو “أثينا” ليخبر أهلها بانتصار اليونان على الفرس بعد حرب دامت طويلًا .لكنه بعدما أخبرهم بالانتصار أسلم الروح بسبب التعب الشديد، وهناك روايات تقول أنه أرسل ليطلب إمدادات إضافية من الجنود نظرا للتفوق العددي لجنود الفرس، لكن مهما يكن فاسم “مارثون” ثابت، وبما أن المسافة بين هذه المدينة و”أثينا” أربعون كيلومتر ونيف، فقد أصبح طول مسافة “المارثون” الرياضي، في العصر الحديث، يزيد قليلا عن الأربعين كلم، ثم استقر في (42,195 كلم). لكن ماذا عن “كرة القدم”؟

“كرة القدم” رياضة شعبية بامتياز، لها قدرة على استقطاب جماهير غفيرة، ولهذا شيدت لها ملاعب تتسع لمئات الآلاف من المشجعين “العاشقين !!”، الذين أصبحوا يمارسون طقوسا معينة في الملاعب ليست دائما راقية ومقبولة. فلماذا استحوذت “كرة القدم” على كل هذه الجماهير، وأصبحت الرياضة الأولى في العالم من حيث نسبة المتابعة المباشرة وغير المباشرة ؟؟.علينا، قبل كل شيء، أن ننتبه أن القاموس اللغوي التقني لهذه الرياضـــة مستمد في مجمله من القاموس العسكري الحربي، كلمات تقنية مثل الهدف، المرمى، القذيفة، الحاجز، التكتيك، الاستراتيجية، الانتصار، الهزيمة، القائد، الاحتياط. لا يخفى على أحد أصل هذه الكلمات، أنها كلمات عسكرية محملة بالعنف. إذا أضفنا إلى أن “ملعب” كرة القدم أشبه بـ”الكولوسيوم” الروماني، حيث هناك مدرجات تتسع لأكثر من ثمانين ألف متفرج، وساحة رملية يتواجه فيها المتصارعون (الغلادياتور) حتى الموت. نعم استخدم “الكولوسيوم” لأغراض أخرى، لكنه ظل في الذاكرة ميدانًا للعنف والدم، فميدان كرة القدم شبيه لـ”الكولسيوم” من حيث البناء المعماري. صحيح أنه في ميدان رياضة كرة القدم تغيرت “المصارعة” الجسدية المباشرة بصراع الاستحواذ على الكرة، وتسجيل الأهداف، والانتصار الرمزي، دون قتلى ولا دماء، لكنها في العمق بنية اللعب التي هدفها إلحاق الهزيمة بالخصم و”القضاء عليه” رمزيا، ظلت هي نفسها، تحول العدو إلى خصم، وأصبح الموت الفعلي موتًا رمزيًا.
لنعد إلى السؤال: ما الذي يستثير “الجماهير” في هذه الرياضة؟ إذا استثنينا “بريطانيا” التي أنشأت الملاعب لهذه اللعبة، وقننتها لتصبح رياضة، بعدما كانت تمارس في الشوارع وتثير الكثير من الشغب والفوضى، حيث كانت تنتهي غالبًا بمظاهرات ومواجهات مع الشرطة، إذا استثنينا هذا الأمر، نجد أن رياضة “كرة القدم” تطورت في غالبيتها في مجتمعات ذات أنظمة ديكتاتورية عسكرية غالبا، خاصة في أمريكا اللاتينية حيث عششت الديكتاتوريات، وفي اسبانيا أغلب الملاعب الحالية بناها الديكتاتور “فرانكو”، والجميع يعرف قصته مع فريق معين، وتوظيفه السياسي لرياضة كرة القدم، والديكتاتوريات الشرقية في أوروبا نهجت، هي أيضا، نفس النهج بما فيها “الاتحاد السوفياتي” نفسه.
قد يقول قائل وماذا عن البلدان الأخرى مثل بريطانيا وفرنسا وبلجيكا، يجب أن نلاحظ أن “النظام الرأسمالي” ما هو إلا “ديكتاتورية” مقنعة إنها “ديكتاتورية” اقتصادية تعمل على تكييف “الرأي العام” بوسائل لينة وخفية تلعب فيها وسائط الإعلام رأس الحربة، علينا أن نشير إلى أن عددا من الدول لم تنتبه لأهمية كرة القدم إلا في زمن متأخر جدًا.
نعود إلى السؤال: ما الذي يستثير “الجماهير في هذه اللعبة؟ إذا استثنينا القلة القليلة من محبي هذه الرياضة الراقين في التعامل معها، فـ”الجماهير” في أغلبها لا تحب كرة القدم في ذاتها، وإنما تتمسك بالحضور والتعاطي معها مثل “مخدر”، لتفجير “مكبوتات” مترسبة في “اللاشعور”، تولدت عبر سنين طويلة من المعاناة في ظل نظام طبقي تراتبي، تحتكر فيه السلطة، ويقدس سلطة المال، ويفرض نمط استهلاكي متوحش، ويتاجر في كل القيم ويسخرها لاستمراريته. ملاعب كرة القدم مجال لتفجير الغرائز العدوانية والجنسية اللاشعورية، وهي غرائز لا تعترف بالزمن، ولا تفتر ولا تنمحي، وغير قابلة للنسيان، وهي، أيضًا، غير قابلة للإشباع مادامت مكبوتة في اللاشعور، ولم تجد فرصتها للطفو على سطح الشعور بوعي، لكي يتم تصعيدها، ونقلها من الغرائزي إلى الإبداعي، من “الطبيعي” إلى “الثقافي”. وهذا ما يفسر كميات “العنف” المادي التي تتفجر في مدرجات الملاعب، هنا وهناك، بين المشجعين، وكثيرا ما تحصل مواجهات غاية في القسوة والخشونة الدموية.
الذي يجب الانتباه إليه هو أن هذه “الرياضة الجميلة لا تستقيم إلا بفرق كبرى وبلاعبين موهوبين كبار يمتلكون تقنيات مبدعة تمنح الفرجة، بعيدًا عن كل عنف مادي أو معنوي، وبعيدًا عن كل “رغبة” في ملاحقة “الخصم” بالإهانات المجانية، التي تسيء لصاحبها قبل أن تسيء للخصم. ليس هناك “فرجة” مع فريق واحد متفوق على الجميع وإلى الأبد، وليس هناك انتصارات دائمة ولا هزائم دائمة، علينا أن نحب الفرق الكبرى بنجومها طبعا، وأن ننتصر للعبة كرة القدم قبل الانتصار لـ “فريق معين”. وألا يكون هذا الفريق هو الشجرة التي تخفي “الغابة” بجمالها وسحرها الفاتن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.