مصعب قاسم عزاوي يكتب | سر التفوق الاقتصادي في اليابان

0 445

قامت الولايات المتحدة عقب احتلالها لليابان في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بإعادة تشكيل البنيان الدستوري والاقتصادي لليابان بحيث يصبح جزءًا تابعًا للمنظومة الاقتصادية التي تسيطر عليها شركات المجمع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة. ولأجل تحقيق ذلك الهدف وتسريعه قامت الولايات المتحدة بإعادة إحياء معظم النظم الإنتاجية الصناعية والأنماط الإدارية المرتبطة بها من الحقبة الفاشية قبل خسارة اليابان للحرب العالمية الثانية عقب إلقاء الولايات المتحدة للقنبلتين النوويتين عليها في السابقة الوحيدة لاستخدام الأسلحة النووية على المستوى العالمي. وتمثل هذا الإحياء الذي قامت به الولايات المتحدة في اليابان بشكل عياني مشخص في تكوين وزارة التجارة الدولية والصناعة في العام 1949، والتي أنيط بها ضبط إيقاع الإنتاج في المجتمع الياباني بشكل لا يختلف عن ذلك المستخدم إبان الحقبة الفاشية قبل خسارتها للحرب، من خلال إعادة تشكيل الاقتصاد إنتاجيًا عبر تكوين شركات خاصة ضخمة تنطوي على العديد من الشركات الأصغر التابعة لها، والتي تتبع سياسة الشركات الأم، والتي تتبع بدورها تعليمات وتوجهات الوزارة السالفة الذكر في كل صغيرة وكبيرة، في نموذج اقتصادي مبرمج على الطريقة الفاشية لرأسمالية الدولة. وهذا النموذج من التخطيط المركزي للاقتصاد وتوجيهه لتحقيق أهداف اقتصادية بعينها، دون الوقوع في خطر التنافس بين أي من تلك الشركات، مكن الاقتصاد الياباني من تحقيق قفزات هامة على المستويات الإنتاجية والتقنية قل نظيرها في الاقتصادات الغربية التي قامت في جوهر نجاحها على السرعة الابتدائية المهولة التي وفرتها لها «سرقة ونهب» المجتمعات التي قامت باستعمارها على امتداد قرون طويلة، قبل الرحيل عنها شكليًا، كما هو الحال في الإمبراطوريين الآفلتين الفرنسية و البريطانية، دون التقليل من أهمية الثروة المنهوبة التي قام اليابانيون بمراكمتها عبر «وحشيتهم الاستعمارية» في المجتمعات التي قاموا باحتلالها في جل جنوب شرق آسيا، وإن احتلت مكانًا ثانويًا كان الأول فيه «لرأسمالية الدولة على الطريقة الفاشية» التي اتبعتها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وجدير بالذكر في ذلك السياق أن النظم الغربية التي كانت تدعي عداءها المطلق للفاشية التي «انتصرت» عليها في الحرب العالمية الثانية، لم تجد ضيرًا في استخدام المنتجات الفاشية في الحيزين الاجتماعي والاقتصادي في مجتمعات المهزومين، لإعادة إدماجها في المنظومة الاقتصادية المعولمة، التي لا بد لها من أن يصب نتاجها في المآل الأخير في خزائن الشركات العابرة للقارات والمجمعات الصناعية العسكرية التقانية في الغرب. وهو ما كان في الحالة اليابانية عبر التزام اليابان «غير المعلن» بالاستثمار في سندات حكومات المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، كما هو جلي في الحصة الفائقة لليابان في سندات الخزينة الأمريكية، والشركات الأمريكية والغربية الأخرى المحلية منها والعابرة للقارات التي تمثل استطالات على شكل «رأس الميدوزا الأسطوري» من اقتصادات أولئك المنتصرين في الحرب العالمية الثانية واقتصاد السوق الوحشي المعولم الذي يسهرون «بقوة الترهيب بالحديد واللهيب النووي وحلف شمال الأطلسي» على استدامة مفاعيله وتوازنه الأشوه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.