هاشم عبد الله الزبن يكتب | الصحة النفسية والواقع

0

لم يتم الإعتراف بعد بأهمية الصحة النفسية وحاجة الإنسان الأساسية إليها. ما زالت كمفهوم تُعاني إبهامًا ونظرة سلبية (وصمة عار)، ويرتبط مفهوم المرض النفسي/العقلي بما يُصطلح عليه إجتماعيًا “جنون”.
“المجنون” هو شخص منبوذ/موصوم إجتماعيًا، وهو بالتالي يفتقد للقيمة الإنسانية، ويتم سجنه وأحيانًا عقابه، إلى أن يموت، ليستريح هو و المُجتمع منهُ ومن أعباءه!.
إذن نحنُ إزاء صورة نمطية عامة وخاصة، تصوّر كل ما هو نفسي بصورة مغلوطة ومُشوهه،
لذلك لا يُمكن قبول الإعتلال النفسي، فما بالك بالإضطراب النفسي أو العقلي: إكتئاب وقَلق مَرضي ورُهاب إجتماعي وصولًا للفُصام وإضطرابات الشخصية والهوس الإكتئابي،

بدايةً، الصحة النفسية ترتبط بشكل رئيسي بالتكيف الإجتماعي والطمأنينة القاعدية، وتبدأ منذ وجود الجنين في رحم أمه وتمتد لآخر العمر،
فالدراسات والأبحاث العلمية في مجال الصحة النفسية أثبتت تأثر الجنين بصحة أمه النفسية، وبعد الولادة وحتى عُمر الخمس سنوات، يكون الطفل في هذه المرحلة ذا حساسية مُفرطة بشأن صحته النفسية كما الجسدية، هذه المرحلة تُشكّل قاعدة صحة الفرد نفسيًا، فإما أن يخرج منها صحيحًا نفسيًا ذا مناعة نفسية عالية، أو العكس، وذلك يرتبط بالوالدين ومدى ترابط الأسرة وإنسجام أفرادها ووضعها الإجتماعي والإقتصادي والثقافي.

مرحلية حياة الإنسان تتطلب الإستمرارية، فالطفل عندما ينتقل من مرحلة البيت (الأسرة) إلى مرحلة المدرسة، يحتاج لدافعية ترتبط بالمرحلة السابقة وتتوسع في بداية المرحلة الآنيّة، يعني ببساطة، تهيئة الطفل للمدرسة لا من حيث أنها إنفصال عن واقع مألوف ودخول في مجهول، بل وكأن المدرسة تطور إيجابي في مُحيط الطفل المعرفي-المهاري،

ففي سنواته الماضية، تم إشباع رغباته المعرفية وتم إعطاءه مجال حُر ومفتوح للتساؤل والإطلاع والتعبير اللغوي والفني، وأعتاد مُشاهدة البرامج الكرتونية الهادفة… الخ، فجائت بيئة المدرسة (المُجهزة تربويًا)، للإنطلاق في المعرفة والفهم والتعلّم،
الإعتلال النفسي يحدث هُنا، كأول حالة “المرض النفسي” في غُربة الطالب المدرسية، وتبدأ المُعاناة الوجودية بالتشكّل والظهور، عندما تتظافر عوامل خارجية (بيئة مدرسية سلبية، وأساتذة غير مُؤهلين، عدم توافق مع رفاق الدراسة، وأسرة مُفككة أو مُضطربة)، وعوامل داخلية تتمحور في الحاجة النفسية غير المُشبعة وإستعداد نشوء مرض نفسي، كل هذه العوامل تُنتج إنسان/طفل بدأت مُعاناته النفسية تتشكل وستتفاقم تدريجيًا، ببساطة لأنها “غير مُعترف بها”، فهذا هو الواقع وعليه أن يحتمل ويتنكر لشعوره، ويتصنع القوة والجَلد…!

كما هو واضح، الأسرة هي أساس صحة الفرد النفسية، وبالتالي هي جوهر الصحة النفسية العامة، وبعد الأسرة، تأتي المدرسة كثاني مُقوم للصحة النفسية،
الواقع مُغاير تمامًا للتطلعات، وقد تبدو تطلعاتنا محضُ خيال أو تَرف لا يتوافق وواقعنا هذا المليء بالتحديات والصعوبات… الخ،
وهذا ما دعاني لكتابة هذا المقال، والذي أعلم بأنه لن يُعالج قضية “الصحة النفسية” في العالم وفي عالمنا العربي تحديدًا، وبالأخص في وطني الأردن، ولكن هي مُجرد مُحاولة بسيطة لدق ناقوس الخطر وللتذكير بأهمية الوجدان/النفس في عافية إنساننا، والتي تصب في إعمار الأوطان وأزدهارها، فالأوطان هي صورة الفرد، والفرد هو جوهر الأوطان،
أعود للمدرسة ودورها في الصحة النفسية، الواقع التعليمي منذ عقود يُعاني من الجمود والثبات، إلا قليلًا من التطوير والتحديث الخجول هُنا وهُناك، وهُنا لا مجال للتخصيص والبحث المُعمق، فقط سأتناول الواقع التعليمي/المدرسي بشكل عام،
المدرسة تتكون من؛ مباني وغُرف صفية، إدارة وطاقم تعليمي، ومناهج دراسية، وطُلاب، وبطبيعة الحال الطالب هو محور العملية التعليمية، وكفاءة المُعلم (المعرفية، والسلوكية، والإنفعالية) هي عمادة هذه العملية،
نجومية المدرسة (التفوق) تحدث من خلال تربية مهارات معرفية ضيّقة، ويُبذل كل الجهد في تصنيف الطلاب في رُتب تتعلق في مدى حفظ المعلومات وأستذكارها، يقول هوارد جاردنر صاحب نظرية الذكاءات المُتعددة، بأنه قد آن الأوان لكي نصرف وقتًا أقل في تصنيف رُتب الطلاب، ووقتًا أطول في مُساعدتهم على إكتشاف كفاءاتهم ومواهبهم الطبيعية وتنميتها. يبدو بأن هذا الطرح مثاليًا جدًا، وبأننا تعليميًا ما زلنا في مراحل بدائية، وحاجاتنا لم تزل أساسية! ولكن هذه الحقيقة، حقيقة أن واقعنا التعليمي بدائي ولا يَرقى للواقع المطلوب يُحتم علينا المُضي قُدمًا في تطوير وتحسين العملية التربوية، لتتعزز صحة الأفراد النفسية، وبأن تقوم المدرسة بتنمية مهارات الحياة والنجاح فيها، ومن أهم هذه المهارات “الذكاء الإنفعالي” وهو يُشكل قطاعًا كبيرًا في الصحة النفسية، وهي جوهر حديثنا في هذا المقال، فضلًا عن الإعتراف بأهمية وجود عناية نفسية مُخصصة للطلاب تعمل جنبًا إلى جنب مع الهيئة التدريسية،
فالطالب الذي يكون في العملية التعليمية مُجرد آلة معرفية وكائن مُباريات تحصيلية وأختبارات، بالمُقابل فإن الفلسفة التعليمية المُنمية تتعامل مع التلميذ/الفرد ككيان كُلي يتقدم في جميع خطوط نموه بشكل مُتكامل،
فمشروع التنشئة للمُستقبل، يبدأ في الإهتمام والتركيز على الصحة النفسية النمائية، بحيث لا ينشأ الطفل في بيئة مُعززة للإضطراب والخلل، بل في بيئة تُعزز مناعته وكفاءته النفسية والعقلية، من خلال بناء الإقتدار المعرفي لدى التلميذ، وترسيخ ثقافة الإنجاز والإبداع والإنطلاق، والجُهد المُنتج، وبناء صورة الذات الفاعلة والمُنتجة والمُبادرة والمُنفتحة على تغيرات الحياة المُتسارعة وتحدياتها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.