هويدا طه تكتب | حمى البورصة في المجتمعات العربية

0

تتنقل بين القنوات الفضائية المختلفة ليلا فإذا ببرنامج هنا وآخر هناك يناقش هموم البورصات العربية.. تفتح عينيك في الصباح فإذا بالأمر يتجاوز مجرد برامج تناقش أرقام البورصة إلى دفعات من قنوات بأكملها.. قنوات جديدة.. تتخصص في البورصة ولا شيء غير البورصة! أسهم خضراء وحمراء.. طالعة ونازلة.. وأرقام بكسور عشرية حاسمة.. تتعجب كيف تتحول تلك الكسور التافهة إلى ملايين في جيوب البعض وذبحات في قلوب البعض الآخر! تسمع العديد من وجهات النظر عن السهم القائد والسهم الظافر والسهم الحاسم.. تسمع العديد من الآراء عن التلاعب بالبورصة والمستثمرين الصغار والمستثمرين الكبار وغير ذلك من مصطلحات بورصوية عجيبة.. تسمع أناسا يتحدثون عن أسعار تلك الأسهم بينما هم أنفسهم كانوا حتى وقت قريب لا يظهرون اهتماما حتى باقتصاد منزلهم.. فما بالك بالبورصة وسوق الأوراق المالية! الكوافير.. البقال.. سائق التاكسي.. حتى بياعين الخضار! كيف أصبحنا فجأة (مستثمرين) ونحن حتى وقت قريب كنا نجمع من بعضنا قروشا معدودات.. كي نتكافل مع بعضنا البعض في الزواج وتسديد الديون الضئيلة وأقساط التليفزيون والثلاجة؟! الأمر يثير رغبة في معرفة أبعاد المسألة.
إيه حكاية البورصة دي؟! ما هو دور (الإغراء التليفزيوني) للبؤساء حول أحلام الثراء السهل السريع؟ وكيف انعكست عولمة رأس المال على من لا مال أصلا لديهم؟! هذا باع ذهب زوجته وبناته.. وهذا باع التاكسي مصدر رزقه.. وذلك باع أرضه وهؤلاء اقترضوا من البنوك.. الجميع فقدوا توازنهم وفرطوا في الأصول التقليدية حتى يشترون السهم القائد والسهم الظافر! حتى النساء ربات البيوت! خبر طريف في سلسلة برامج الأخبار الطريفة نقل أن رجلا سعوديا مزواجا لديه من الزوجات أربع.. قرر أن يتخلص من صداع عراك الضرائر فعلمهن بيع وشراء الأسهم.. وما هي إلا أشهر قليلة حتى تمتع بالهدوء.. بعد أن نقل طاقتهن إلى جبهة بعيدة عن أرضه! السؤال هو كيف نشأت البورصة عند من ابتكرها.. وكيف تفجرت في أرضنا؟ بالبحث والتحري في الأصول التاريخية لتلك الأسطورة الرهيبة.. تكتشف أنها أصلا نشأت كوسيلة (تعاونية) في عصر النهضة بين مجموعات من أفراد يملكون القليل فأرادوا (التشارك) لإنشاء الشركات والمصانع المنتجة.. كانت إذن وسيلة جيدة لإنشاء تعاونيات توزع (بطريقة ما) الثروة على العديد من الأفراد بدلا من تركزها في يد فرد واحد.. يحتكر بأمواله الطائلة السوق والشركات والعمليات الإنتاجية.. أي أنها وسيلة (إنتاجية).. أو على الأقل هكذا نشأت.. فأين العرب من هذه الروح (الإنتاجية) التعاونية؟! العرب الذين تشي أصولهم التاريخية بأنهم إلى جانب التجارة لم يعرفوا أوجها أخرى للاقتصاد إلا (الميسر والريع)! هل رأيت أحد هؤلاء الذين يسمونهم (المستثمرين الصغار) يعرف حتى ماذا ينتج ويبيع سهمه الظافر الذي اشتراه؟! هؤلاء يتلاعب بهم من يسمون (المستثمرين الكبار) كي يأخذون قروشهم القليلة التي باعوا مصادر رزقهم للدخول بها في (لعبة قمار) يا صابت يا خابت.. وطبعا هي دوما مع هؤلاء الصغار تخيب! مرة أخرى.. لا تعرف هل تلوم أفرادا أم ثقافة؟ أم تلوم الفضائيات التي بدلا من أن تعرض نماذج (التعاونيات الإنتاجية) من تجارب الأمم الأخرى.. نقلت ثقافة الهوس بالربح السريع.. لو أن الفضائيات اهتمت بتجربة (العدو الإسرائيلي) عن الكيبوتزات التعاونية التي أسسها لحظة اغتصب الأراضي العربية، لأدركنا سبب تفوق إسرائيل الاقتصادي علينا! لكننا نهتم بهذا القمار الذي يمارسه العرب بالغريزة المشبعة برغبة في لعب الميسر.. لا برغبة في التشارك والتعاون والإنتاج! أي إنتاج والأرض تباع من أجل القمار؟ أقول قولي هذا وأنا أعاني من هوس وصل إلى منزلي بتلك الشاشة المستطيلة وأسهمها الحمراء والخضراء! وأذكر صديقة خفيفة الظل عندما سألها أحد الأصدقاء عن معلوماتها عن البورصة قالت:” كل اللي أعرفه عن البورصة إنها.. مرات البرص”!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.