إيمان ممتاز تكتب | أكتوبر.. نصرٌ لا تسقطه السنوات
في كل عام، حين تحل ذكرى السادس من أكتوبر، لا أستطيع أن أتعامل معها باعتبارها مجرد مناسبة وطنية نستعيد فيها مشاهد العبور والانتصار، وإنما أراها محطة نتوقف أمامها لنسأل أنفسنا: ماذا تعلمنا من هذا النصر؟ وماذا فعلنا بما تركه لنا جيل أكتوبر من إرادة وثقة ومسؤولية؟
أرى أن قيمة أكتوبر اليوم لا تكمن فقط في استعادة تفاصيل معركة عسكرية عظيمة، وإنما في قراءة الدروس التي يمكن أن نبني عليها حاضرنا ومستقبلنا. فالدول لا تحافظ على انتصاراتها بالاحتفال بها فقط، وإنما بتحويل معانيها إلى سياسات وعمل ووعي ومسؤولية.
لقد كان السادس من أكتوبر عام 1973 لحظة فارقة في تاريخ مصر، لكن النصر لم يبدأ في يوم العبور. سبقه إعداد طويل، وتخطيط دقيق، وإعادة بناء للقوات المسلحة، وإرادة سياسية وشعبية تجاوزت آثار مرحلة صعبة. ولهذا فإن أحد أهم دروس أكتوبر بالنسبة لي هو أن النتائج الكبيرة لا تأتي من قرارات لحظية، وإنما من عمل متراكم وإيمان حقيقي بالهدف.
كما أن أكتوبر يثبت أن قوة الدولة لا تنفصل عن قوة مجتمعها. فالجبهة الداخلية كانت جزءًا أساسيًا من المعركة، والشعب المصري تحمل أعباء المرحلة، وساند قواته المسلحة، وأدرك أن الدفاع عن الوطن مسؤولية مشتركة.
واليوم، تغيرت طبيعة التحديات.
لم تعد معارك الدول كلها تُخاض بالسلاح. هناك معارك أخرى تتعلق بالاقتصاد، والوعي، والأمن المعلوماتي، وبناء الإنسان، والحفاظ على تماسك المجتمع، وإتاحة الفرصة أمام الشباب للمشاركة الفاعلة في صناعة القرار والمستقبل.
ومن هنا أرى أن استدعاء روح أكتوبر يجب ألا يكون مجرد شعار. نحن في حاجة إلى أن نترجم هذه الروح إلى ثقافة عمل ومسؤولية، وإلى إيمان بأن كل مواطن يستطيع أن يكون جزءًا من قوة الدولة، كلٌّ في موقعه ومجاله.
إن أحد أهم الملفات التي ترتبط برسالة أكتوبر هو بناء الإنسان. فالدولة القوية تحتاج إلى مواطن واعٍ، وشباب يمتلك المعرفة والقدرة على المشاركة، وأسرة متماسكة، ومؤسسات تعمل بكفاءة، ومساحة حقيقية للحوار المجتمعي المسؤول.
وهنا يأتي دورنا كجيل جديد في العمل العام والسياسي. نحن لم نعش حرب أكتوبر، لكننا نعيش مسؤولية الحفاظ على ما حققه جيلها. وهذه المسؤولية تفرض علينا أن نقرأ التاريخ بعقل مفتوح، وأن نأخذ منه ما يساعدنا على التعامل مع تحديات الحاضر، لا أن نحوله إلى مجرد ذكرى نحتفل بها مرة واحدة كل عام.
كما أن الوفاء لأبطال أكتوبر لا يكون بالكلمات وحدها. هؤلاء الذين قدموا أرواحهم من أجل الوطن يستحقون أن نحافظ على وطنهم، وأن نعمل من أجل استقراره وتقدمه، وأن ندرك أن حماية الدولة مسؤولية مستمرة وليست مهمة تنتهي بانتهاء الحرب.
وأعتقد أن الرسالة الأهم التي يمكن أن نقدمها إلى الشباب في هذه المناسبة هي أن الانتصار ليس لحظة حظ، وأن تجاوز الأزمات لا يحدث بالتمني. ما حدث في أكتوبر كان نتيجة للإعداد والإصرار والصبر والثقة في القدرة على تحقيق الهدف.
وهذه القيم لا تخص زمن الحرب وحده.
نحتاجها اليوم في العمل، وفي التعليم، وفي الاقتصاد، وفي المشاركة السياسية، وفي مواجهة الشائعات، وفي بناء وعي حقيقي لدى الأجيال الجديدة.
إن مصر التي عبرت في أكتوبر قادرة على عبور تحديات الحاضر، لكن العبور في كل مرحلة له أدواته. وإذا كان جيل أكتوبر قد حمل السلاح دفاعًا عن الأرض، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نحمل العلم والعمل والوعي والمسؤولية دفاعًا عن مستقبل هذا الوطن.
من هنا، لا أرى أكتوبر مجرد صفحة من الماضي، وإنما أراه جزءًا من الحاضر ورسالة للمستقبل.
رسالة تقول إن الدولة التي تعرف هدفها، وتستثمر في أبنائها، وتحافظ على تماسك مجتمعها، وتملك إرادة العمل، تستطيع أن تواجه أصعب التحديات.
رحم الله شهداء مصر الذين قدموا أرواحهم من أجل أن تبقى راية الوطن مرفوعة، وحفظ مصر وشعبها وجيشها.
أكتوبر نصر لا تسقطه السنوات، لأنه لم يسترد أرضًا فقط، وإنما أعاد إلى المصريين يقينًا مهمًا: أن الإرادة حين تتحول إلى عمل، يمكنها أن تغير مسار التاريخ.