د. محمد غنيم يكتب | حرس سلاح.. عن قصة حقيقية

0

كيف غيّرت المؤسسة العسكرية تفكيري وشخصيتي، وحوّلتني من شاب كان كل همه أن ينهي فترة خدمته العسكرية إلى شخص آخر تمامًا، يقدم روحه فداءً لوطنه في اختبار حقيقي؟ هذه قصة حقيقية حدثت بالفعل.

أعمل طبيب أسنان، والتحقت بالقوات المسلحة المصرية لأداء خدمتي العسكرية في أواخر عهد الرئيس السابق محمد حسني مبارك، في أبريل 2010. كان مقر خدمتي العسكرية في إحدى الوحدات العسكرية بمحافظة البحيرة، وكان شغلي الشاغل في بداية الخدمة أن أنهي هذه السنة لكي أخرج إلى الحرية والملكية، وأباشر مهام عملي كطبيب أسنان.

لكن في بداية الأمر كان الأمر صعبًا، لأن تغيير حياتك من الملكية والانفلات إلى حياة أخرى مختلفة تمامًا، يسودها الانضباط والالتزام، لم يكن أمرًا سهلًا. ولكنني سرعان ما تعودت، وبعد شهور قليلة اكتسبت مهارات وخبرات أكثر.

وبعد منتصف فترة خدمتي جاءت ثورة يناير 2011، وأصبحت الأمور أكثر اضطرابًا، ومع تسارع الأحداث وبدء جماعة الإخوان الإرهابية في تنفيذ هجمات على بعض الوحدات العسكرية، كان هنا الاختبار الحقيقي.

جمع اقائد الوحدة، رحمه الله، كل أفراد الوحدة من ضباط وصف وجنود، وتحدث إلينا من باب تحمل المسؤولية، وأننا فداء لوحدتنا ووطننا، ولن نسمح لأي أحد، كائنًا من كان، أن يمس الوحدة، ولو كانت أرواحنا فداءً لذلك.

وكان هذا ما اتفقنا وتعاهدنا عليه.

وعلى الفور تم تقسيم الخدمات والحراسة على كل أسوار الوحدة وبواباتها، وتم تقسيمي في مجموعة تسمى «خفيف الحركة»، وهذه المجموعة يقودها قائد الوحدة بنفسه.

وكان دورها التعامل مع أي هجوم على الوحدة، حيث تقوم هذه المجموعة بالتحرك على الفور إلى مكان الهجوم والتعامل معه، حتى لا تُفتح ثغرة يدخل منها العدو القائم بالهجوم.

وفي حال حدوث هجوم على الوحدة، يقوم الفرد الذي تم عليه الهجوم، أو المسؤول عن تأمين المنطقة التي حدث فيها الهجوم، بأن ينادي وبأعلى صوته” حرس سلاح ” دون أن يترك مكانه، وحينها يُعرف أن هناك هجومًا على الوحدة، وعلى كل من سمعه أن يردد ” حرس سلاح ” وحينها تتحرك مجموعة «خفيف الحركة» للتعامل مع الهجوم.

ولطبيعة المنطقة التي كانت بها الوحدة، فهي داخل مدينة سكنية من مدن محافظة البحيرة، وكانت هذه المدينة معقلًا من معاقل جماعة الإخوان الإرهابية، فكان من المتوقع حدوث هجوم على الوحدة.

ومرت الأيام مستقرة يومًا بعد يوم داخل الوحدة ولكنى كل يوم ليلا أسمع أصوات اطلاق كثيف لأعيرة نارية بالخارج من قبل الأهالى لتأمين منازلهم مع ظهور حالة الإنفلات الأمنى آن ذلك لدرجة أنى كنت أتعجب من أين يأتون بكل هذا الكم الهائل من الذخائر  وهذا أيضا ما أثار بداخلى حالة من الخوف وعدم الارتياح ، إلى أن جاء يوم، في حوالي الساعة التاسعة مساءً، ذهبت كعادتي إلى الكانتين لأحضر كوبًا من الشاي.وفي أثناء رجوعي إلى النقطة الطبية، إذا بي أسمع “حرس سلاح.. حرس سلاح “أدركت وقتها أن هناك هجومًا على الوحدة.رميت كوب الشاي الذي بيدي، وانطلقت أردد “حرس سلاح.. حرس سلاح “وهنا جاء دوري كأحد أفراد مجموعة  ” خفيف الحركة ” انطلقت أركض نحو البوابة الرئيسية للوحدة، حيث سمعت الصوت ينادي من هناك، وإذا بي، قبل أن أصل إلى البوابة، أفاجأ بلودر يدخل من اتجاه البوابة بسرعة جنونية ويسير وراءة مجموعة من السيارات النقل الصغيرة ولكنني لم أرَ حتى الآن البوابة وماذا يحدث، فقط ما رأيته هذا اللودر، وقد انطلق داخل الوحدة بسرعة جنونية.

وما دار في ذهني وقتها أنهم كسروا البوابة بهذا اللودر ودخلوا. وفي هذه اللحظة سمعت وسواسًا يهمس في أذني ويقول:

” اهرب علشان أنت هتموت دلوقتي حالًا ” وكانت نفسي ترد عني في ذات اللحظة بهاتف يخرج من أعماق وجداني ويقول

” أنا هموت مع زمايلي “

وانطلقت مسرعًا أجري نحو البوابة الرئيسية وأنا أعلم يقينا اننى أجرى إلى الموت  وإذا بي أجد تجمعًا ومجموعة كبيرة من الناس على البوابة الرئيسية، والقائد يقف ويحمل بندقيته الآلية، وإذا به يسحب الأجزاء ويصيح بصوت عالٍ وبكل جسارة:

” أي حد يقرب من هنا اضربوه بالنار”

وفي لحظتها انفض هذا التجمهر وفروا هاربين.

وأمر القائد بغلق البوابات، وحينها عرفت حقيقة الأمر، وهو أن جماعة الإخوان الإرهابية وأنصارها قد هجموا بالفعل على مجلس المدينة التابع لهذا المركز في محافظة البحيرة، وقاموا بتكسير المعدات، ومنها اللوادر والسيارات.

ولم يجد رئيس المدينة مكانًا آمنًا يضع فيه المعدات والسيارات التابعة لمجلس المدينة سوى وحدتنا العسكرية.

فانطلقت المعدات واللوادر مسرعة إلى الوحدة، ولم يتركها المخربون من أنصار جماعة الإخوان الإرهابية، بل جروا وراءها حتى دخلت الوحدة، وكانوا يريدون أن يدخلوا الوحدة وراءها، ولكنهم أجبن من ذلك، فبكلمة واحدة من القائد فروا هاربين.

وهذا ما اعتدناهم عليه؛ فهم من استغلوا ضعف الدولة في هذا التوقيت، وعاثوا في الأرض مفسدين، لا يهمهم إلا أن يهدموا الدولة ومؤسساتها.

هذا الموقف كان بمثابة اختبار حقيقي لي في مواجهة الموت وجهًا لوجه، والذي لم أفر منه ولم أكن جبانًا، ولكنني كنت مقبلًا عليه، وأنا أعلم تمام العلم وتمام اليقين أنني ذاهب لأموت.

وهذا ما رسخته بداخلي المؤسسة العسكرية وقادتها، والتي شرفت بالانتماء إليها، ولو عامًا واحدًا فقط من عمري.

ولكن هذا العام كان بمثابة طوفان بدّلني إلى شخص آخر تمامًا؛ من إنسان غير متحمل للمسؤولية وفوضوي، كان كل همه أن ينهي فترة خدمته العسكرية، إلى رجل حقيقي بما تحمله الكلمة من معانٍ، لا يهاب الموت ويقدّر تراب وطنه.

وأدركت حينها أن نشيد الجيش الذي كنا نرددة  يوميا في الصباح ليس كلمات تخرج من بين شفاهنا، ولكنه أصبح عقيدة ترسخت بوجدانى

رسمنا على القلب وجه الوطن

نخيلًا ونيلًا وشعبًا أصيلًا

وصناكِ يا مصرُ طولَ الزمن

ليبقى شبابُكِ جيلًا فجيلاً

على كل أرضٍ تركنا علامة

قلاعًا من النور تحمي الكرامة

عروبتُنا تفتديكِ القلوب

ويحميكِ بالدمِ جيشُ الكنانة

وتنسابُ يا نيلُ حرًا طليقًا

لتحكي ضفافُك معنى النضال

وتبقى مدى الدهرِ حصنًا عريقًا

بصدقِ القلوبِ وعزمِ الرجال

رسمنا على القلبِ وجه الوطن

نخيلًا ونيلًا وشعبًا أصيلًا

وصناكِ يا مصرُ طولَ الزمن

ليبقى شبابُكِ جيلًا فجيلًا

يدُ اللهِ يا مصرُ ترعى سماكِ

وفي ساحةِ الحقِ يعلو نداكِ

ومادام جيشُكِ يحمي حماكِ

ستمضي إلى النصرِ دومًا خطاكِ

سلامٌ عليكِ إذا ما دعانا

رسولُ الجهادِ ليومِ الفداء

وسالت مع النيلِ يومًا دمانا

لنبني لمصرَ العلا والرخاء

فسلامًا على من رسخوا بداخلنا هذه المبادئ، وعلمونا أن نضحي بأرواحنا فداءً لهذا الوطن قولًا وفعلًا.

وتحية إعزاز وتقدير للمؤسسة العسكرية ورجالها في عيدهم، فهم درع هذا الوطن وسيفه، والصخرة التي تحطمت عليها آمال كل الغزاة والمفسدين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.