محمود عشيش يكتب | كشكول الجمسي.. حين كُتب موعد النصر

0

في الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة أكتب هذه الكلمات وكلي فخر واعتزاز لا عن قائد عسكري قرأت عنه في كتب التاريخ وإنما عن جدي لوالدتي المشير محمد عبدالغني الجمسي أحد أبرز رجال حرب أكتوبر وأحد العقول العسكرية التي شاركت في صناعة يوم أعاد لمصر أرضها وكرامتها وثقتها في نفسها

وأعترف أن الكتابة عن المشير الجمسي بالنسبة لي ليست سهلة فحين يلتقي التاريخ بالعائلة تختلط مشاعر الحفيد بفخر المصري وتصبح الكلمات أقل من أن تصف رجلا كان حاضرا في واحدة من أهم اللحظات في تاريخ مصر الحديث

كان المشير الجمسي أثناء حرب أكتوبر رئيسًا لهيئة عمليات القوات المسلحة في قلب عملية التخطيط والإعداد والتنفيذ للحرب ثم تولى رئاسة أركان حرب القوات المسلحة في ديسمبر 1973 قبل أن يصبح وزيرا للحربية والقائد العام للقوات المسلحة

لكن قصة الجمسي التي أحب أن تتوقف أمامها الأجيال تبدأ من «كشكول»

نعم.. كشكول مدرسي بسيط تحول إلى واحدة من أشهر الوثائق المرتبطة بالتخطيط لحرب أكتوبر

قبل الحرب كان السؤال بالغ الدقة: متى نهاجم؟

لم يكن اختيار السادس من أكتوبر قرارا عشوائيا ولم يكن تحديد ساعة الهجوم مجرد اختيار لتوقيت مناسب بل سبقته دراسة عسكرية دقيقة أشرفت عليها هيئة عمليات القوات المسلحة برئاسة الجمسي تناولت المواصفات الفنية لقناة السويس والمد والجزر وسرعة التيار واتجاهاته وساعات الظلام وضوء القمر والظروف الجوية وحالة البحرين المتوسط والأحمر إلى جانب دراسة التوقيت الذي يلائم الجبهتين المصرية والسورية في ان واحد

ولم تتوقف الدراسة عند الطبيعة والجغرافي بل امتدت إلى دراسة المجتمع الإسرائيلي نفسه ومواعيد الأعياد والعطلات وتأثيرها في إجراءات استدعاء قوات الاحتياط فضلا عن الموقف الداخلي الإسرائيلي بهدف اختيار توقيت يحقق أفضل الظروف الممكنة للقوات المصرية والسورية وفي المقابل يضع القوات الإسرائيلية أمام ظروف أكثر صعوبة ولضمان السرية كتبت هذه الدراسة بخط اليد في كشكول مدرسي واشتهرت بعد ذلك باسم «كشكول الجمسي» وأن الدراسة لعبت دورا مهما في اختيار يوم السادس من أكتوبر موعدا للحرب

ومن هنا لم يعد «الكشكول» مجرد أوراق

أصبح رمزا لعقلية عسكرية امنت بأن النصر لا تصنعه الشجاعة وحدها وإنما تصنعه أيضا المعلومة والحساب والدقة والتخطيط والسرية ثم يأتي الرجال في الميدان ليحولوا كل ذلك إلى واقع

وفي ظهر السادس من أكتوبر 1973 جاءت اللحظة التي انتظرها المصريون طويلا

انطلقت القوات الجوية المصرية ودوت المدفعية وعبر جنود مصر قناة السويس واندفعوا نحو الضفة الشرقية واقتحموا تحصينات خط بارليف لتبدأ واحدة من أعظم صفحات العسكرية المصرية الحديثة وكان الجمسي في غرفة العمليات يتابع الساعة حتى حان موعد بدء الهجوم وارتبط اسمه بنداء «بدر.. بدر» إيذانا بانطلاق العملية

في تلك الساعات لم يكن النصر نصر قائد واحد ولا سلاح واحد ولا بطل واحد كان نصر مصر كلها كان نصر الجندي الذي عبر والطيار الذي حلق والمدفعي الذي مهد الطريق والمهندس الذي فتح الممرات وقوات الدفاع الجوي والبحرية والصاعقة وكل قائد وضابط وجندي شارك في التخطيط أو القتال وكل شهيد قدم روحه لتعود الأرض ويرتفع العلم المصري وكان المشير الجمسي واحدا من رجال تلك الملحمة حتى ارتبط اسمه بلقب «مهندس حرب أكتوبر» كما اشتهر بلقب «الجنرال النحيف المخيف» الذي اطلقتة جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل

لكن شخصية الجمسي لم تظهر في الحرب فقط

فبعد أن سكتت المدافع انتقل من غرفة العمليات إلى مائدة المفاوضات وقاد الجانب المصري في المباحثات العسكرية لفض الاشتباك ومنها مباحثات الكيلو 101 ثم شارك في مسار اتفاقات فض الاشتباك التي أعقبت الحرب

وهنا ظهرت شخصية أخرى للرجل نفسه

القائد الصارم في الميدان أصبح مفاوضا شديد الصلابة يحمل إلى طاولة التفاوض ذاكرة سنوات طويلة من الصراع ويدافع عن الموقف المصري بعقلية العسكري الذي يعرف قيمة كل متر من الأرض لأنه يعرف جيدا الثمن الذي دفعه الرجال من دمائهم لاستعادته

ولذلك عندما أكتب اليوم عن جدي لا أكتب فقط عن المشير محمد عبدالغني الجمسي بل أكتب عن جيل كامل

جيل عاش مرارة يونيو 1967 لكنه رفض أن تكون الهزيمة نهاية التاريخ

جيل أعاد بناء القوات المسلحة وتدرب وخطط وصبر وقاتل حتى جاء يوم السادس من أكتوبر ليعلن للعالم أن الجيش المصري قادر على تجاوز اثار الهزيمة واستعادة المبادرة والعبور إلى الضفة الشرقية للقناة

وفي الذكرى الثالثة والخمسين للنصر رسالتي إلى كل أب وأم وإلى كل شاب وطفل مصري

احكوا لأولادكم عن أكتوبر

احكوا لهم عن الجنود الذين عبروا القناة وعن الشهداء الذين لم يعودوا إلى بيوتهم وعن الأمهات اللاتي قدمن أبناءهن للوطن وعن القادة الذين خططوا وعن شعب كامل وقف خلف جيشه احكوا لهم عن انور السادات وأحمد إسماعيل وسعد الدين الشاذلي ومحمد عبدالغني الجمسي وحسني مبارك وعن الاف القادة والضباط والجنود الذين صنعت بطولاتهم ملحمة أكتوبر

فالأوطان لا تعيش بالحاضر وحده وإنما تعيش أيضا بذاكرتها

وأنا اليوم كحفيد للمشير محمد عبدالغني الجمسي أشعر بالفخر لأن جدي كان واحدا من رجال هذه الملحمة لكن فخري الأكبر أنه كان جنديا في الجيش المصري العظيم جيش صنع مع شعبه يوما خالدا سيظل حاضرا في ذاكرة الوطن

رحم الله المشير محمد عبدالغني الجمسي ورحم الرئيس محمد أنور السادات ورحم قادة وشهداء حرب أكتوبر وحفظ الله أبطال قواتنا المسلحة

وستبقى حكاية «كشكول الجمسي» شاهدا على أن صفحات صغيرة يمكن أن تحمل أفكارا كبيرة وأن خلف صوت المدافع كان هناك عقل يحسب ويدقق ويخطط وأن النصر الذي أدهش العالم لم يولد في لحظة السادس من أكتوبر فقط بل سبقته سنوات من العمل والصبر والإعداد وسيظل السادس من أكتوبر يوما للفخر وسيظل الجيش المصري عنوانا للعزة والكرامة وستظل مصر أكبر من كل التحديات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.