إيمان ممتاز تكتب | الاستقطاب والوعي
لم يعد الاختلاف السياسي مجرد مساحة طبيعية للنقاش بين الناس، لكنه في أحيان كثيرة أصبح سببًا للانقسام. ومع اتساع حضور مواقع التواصل الاجتماعي في حياتنا، أصبح الشاب أمام كم كبير من الآراء والمعلومات والمواقف، بعضها حقيقي وبعضها منقول دون تحقق، وبعضها يقدم في صورة خبر بينما هو في الحقيقة مجرد رأي.
وهنا تكمن المشكلة.
الشباب اليوم جزء أساسي من المشهد العام، يتابعون ما يحدث ويعلقون ويناقشون ويشاركون في تشكيل الرأي العام. لكن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة زيادة الوعي. أحيانًا يحدث العكس، خاصة عندما يتعرض الشخص طوال الوقت لمحتوى يؤكد له أن رأيه هو الصحيح، وأن كل من يختلف معه مخطئ أو سيئ النية.
ومع الوقت، يتحول النقاش من محاولة لفهم وجهة النظر الأخرى إلى محاولة لإثبات أنها خاطئة. وتتحول السياسة من اهتمام بالشأن العام إلى صراع بين الأشخاص والمجموعات، ويصبح الانتماء للرأي أقوى من الرغبة في معرفة الحقيقة.
الأخطر أن هذا النوع من الاستقطاب قد يجعل بعض الشباب يتعاملون مع القضايا العامة بعقلية “معنا أو ضدنا”. وهذه العقلية لا تترك مساحة كبيرة للنقاش أو المراجعة، رغم أن المواقف السياسية بطبيعتها قابلة للنقاش والتغيير، وأن الإنسان من حقه أن يغير رأيه عندما يكتشف معلومة جديدة أو يرى الأمور من زاوية مختلفة.
ولذلك فإن القضية ليست في أن يكون للشباب رأي سياسي، فهذا أمر إيجابي ومطلوب، وإنما في الطريقة التي يتشكل بها هذا الرأي. هل يعتمد على القراءة والفهم والمقارنة؟ أم على منشور شاهده على مواقع التواصل؟ هل يعرف الفرق بين المعلومة والتحليل؟ وهل يستطيع أن يسمع رأيًا مختلفًا دون أن يعتبر صاحبه خصمًا؟
نحن في حاجة إلى شباب لديه القدرة على التفكير وليس مجرد ترديد ما يسمعه. شباب يعرف أن الوطنية ليست مرتبطة بتبني رأي واحد، وأن الاختلاف لا يعني بالضرورة الخلاف على مصلحة الوطن.
وهنا يأتي دور الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الشبابية في تقديم نموذج مختلف للحوار. لا نحتاج إلى أن نقول للشباب فى ماذا يفكرون، وإنما نحتاج إلى أن نعلمهم كيف يفكرون، وكيف يسألون، وكيف يتحققون من المعلومات، وكيف يختلفون باحترام.
فالسياسة في النهاية ليست معركة لإسكات الطرف الآخر، وإنما وسيلة لفهم الواقع ومحاولة تحسينه.
وإذا كنا نريد مستقبلًا أكثر استقرارًا، فعلينا أن نهتم بطريقة إدارة الاختلاف بقدر اهتمامنا بالمواقف نفسها. لأن المجتمع القوي ليس المجتمع الذي لا يختلف أفراده، وإنما المجتمع الذي يعرف كيف يختلف دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة.
الشباب هم الأكثر قدرة على تغيير شكل الحوار العام في السنوات القادمة. لكن هذا لن يحدث بكثرة الكلام وحدها، وإنما بوعي يجعلهم أكثر قدرة على التفكير، وأقل قابلية للانقياد وراء الاستقطاب، وأكثر احترامًا لفكرة أن الاختلاف جزء طبيعي من أي مجتمع حي.