فريدة شوباشي تكتب | عصر “الابتزاز الرقمي”
أقف اليوم أمام ما يسمى بـ “تسريبات آيفون 18” وأحداث التكنولوجيا المتلاحقة، فلا أرى فيها تطوراً بقدر ما أرى فيها محاولة مستميتة لإعادة تشكيل الإنسان كـ “مستهلك أبدي” لا كـ “عقل مفكر”… إن هذا الصخب حول أجهزة جديدة هو في جوهره استخفاف بعقولنا، ومحاولة لجرنا خلف سباق محموم لا ينتهي، حيث يصبح الهاتف الذي اشتريته بالأمس “خردة” اليوم، ليس لعيب فيه، بل لأن الشركات قررت أن “الاستهلاك” هو دين العصر الجديد.
عن “الأبدية” التي لا نريدها
تتحدث التقارير عن اشتراكات شهرية في تطبيقات مثل “واتساب” و”إنستغرام”… يا للسخرية لقد تحولت أدوات التواصل التي كانت يوماً جسوراً للتقارب الإنساني إلى “عدادات” تحصي علينا أنفاسنا، وتفرض علينا جزية شهرية لنستمر في البقاء داخل “فقاعتنا الرقمية”… هل يعقل أن ندفع ثمن تواصلنا مع أحبائنا؟ إن هذا ليس تطوراً، هذا “ابتزاز رقمي” مكتمل الأركان.
إننا نعيش في زمن تفرض فيه الشركات الكبرى سطوتها، وتخلق حاجتنا لما لا نحتاجه… آيفون جديد بمواصفات تقنية قد لا نستخدم 10% منها، ثم تجميد عمل التطبيقات على الأجهزة القديمة لإجبارك على الشراء… أليس هذا نوعاً من أنواع الهيمنة؟ أين هو حرية الاختيار التي يتشدقون بها؟
رسالة إلى شبابنا الرقمي
إنني أنظر إلى شبابنا اليوم، الذي يغرق في هذه التقنيات، وأقول لهم: “لا تكن تابعاً لآلة”… العصر الرقمي هو سلاح ذو حدين؛ فإما أن تستخدمه لتطور وعيك، تطلع على تاريخك، وتخدم وطنك، وإما أن تصبح مجرد “رقم” في سجلات الأرباح لهذه الشركات العابرة للقارات… نحن لا نحتاج إلى “أحدث إصدار” لنكون مبدعين، بل نحتاج إلى وعي لا ينحني أمام إغراءات الاستهلاك.
الوعي بالواقع هو الحصن الأخير لنا… إن الشركات تريدنا “زبائن صامتين”، ولكن الحقيقة التي يجب أن تتردد هي أننا مواطنون، والتقنية خادمة لنا، لا سيداً يفرض علينا اشتراكات ويحدد لنا عمر أجهزتنا.
إن “الاستقلال الرقمي” ليس ترفاً، بل هو ضرورة لحفظ كرامتنا في عالمٍ يحاول تحويل كل شيء، حتى تواصلنا الإنساني، إلى سلعة للبيع… ولنقف جميعاً موقفاً واضحاً: لن نكون وقوداً لسباق لا هدف له سوى مزيد من الأرباح على حساب جيوبنا وعقولنا.
فهل نستيقظ قبل أن تصبح حياتنا بالكامل خاضعة لـ “اشتراك شهري”؟