نور الفقي تكتب | الشباب وصناعة المستقبل

0

لم تعد الحياة السياسية في ظل الجمهورية الجديدة تُقاس بعدد الأحزاب أو كثرة الفعاليات السياسية، بل بقدرتها على صناعة كوادر تمتلك الوعي والكفاءة والمسؤولية. ومن هذا المنطلق، أصبح تمكين الشباب سياسيًا أحد أهم الاستثمارات في بناء الدولة، باعتبارهم شركاء في صياغة الحاضر وصناعة المستقبل.

لقد شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في مفهوم المشاركة السياسية، فلم يعد دور الشباب يقتصر على الحضور أو الدعم، وإنما اتجه نحو المشاركة الفاعلة في الحوار، وصناعة المبادرات، وإعداد الكوادر القادرة على الإسهام في العمل العام. وهو تحول يعكس إدراكًا بأن تجديد الحياة الحزبية يبدأ بتجديد الفكر الذي يقودها، وأن الاستثمار في العقول الشابة هو الاستثمار الأكثر استدامة في بناء الدولة.

وفي هذا الإطار، جاءت توجيهات فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية “الأوكتاجون”، مؤكدًا على “العمل على تنشيط الحياة الحزبية وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية، والانتهاء من الاستعدادات اللازمة لإجراء انتخابات المجالس المحلية بما يرسخ المشاركة الشعبية ويعزز دورها في الإدارة المحلية.” وهي رؤية تعكس إيمان القيادة السياسية بأن بناء دولة قوية يبدأ ببناء الإنسان، وإعداد أجيال تمتلك الوعي الوطني والقدرة على تحمل المسؤولية والمشاركة في صناعة القرار.

إن تمكين الشباب داخل الأحزاب لم يعد مجرد خطوة تنظيمية، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها طبيعة المرحلة. فالأحزاب القادرة على استيعاب الطاقات الشابة، ومنحها مساحات حقيقية للمشاركة، هي الأكثر قدرة على إنتاج أفكار جديدة تتوافق مع متطلبات الجمهورية الجديدة، وتواكب المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

ولعل أبرز ما يميز المرحلة الراهنة هو التحول التدريجي في فلسفة العمل الحزبي، من الاعتماد على الأدوار التقليدية إلى تبني فكر أكثر حيوية يقوم على المبادرة والابتكار والعمل الجماعي . فلم تعد المبادرات الشبابية مجرد أنشطة مصاحبة، بل أصبحت أحد محركات تطوير العمل السياسي، بما تحمله من رؤى جديدة، وأفكار قابلة للتطبيق، وقدرة على التواصل مع مختلف فئات المجتمع بلغة عصرية تعكس وعي هذا الجيل وطموحه.

إن بناء جيل سياسي جديد لا يتحقق بالشعارات، وإنما بإتاحة الفرصة أمام الشباب للتعبير عن أفكارهم، والمشاركة في صياغة المبادرات، والانخراط في العمل الحزبي بمسؤولية ووعي. فكل تجربة يكتسبها الشباب اليوم تمثل لبنة في بناء مستقبل سياسي أكثر نضجًا واستدامة، وكل مساحة تمنح لهم للمشاركة هي استثمار في مستقبل الوطن. ولعل أبرز ما يميز المرحلة الراهنة هو أن تمكين الشباب لم يعد مجرد توجه معلن، بل أصبح واقعًا ملموسًا، يتجسد في تولي العديد من الكوادر الشابة مواقع قيادية داخل الأحزاب، وحضورهم المؤثر في مجلس النواب، بما يعكس إيمان الدولة والمؤسسات السياسية بقدرة الشباب على تحمل المسؤولية والمساهمة في صناعة القرار.

ويبقى الرهان الحقيقي على الشباب الذين يجمعون بين الانتماء الوطني، والوعي السياسي، والقدرة على الابتكار. فمستقبل الحياة السياسية والحزبية في مصر لن تصنعه كثرة الشعارات، وإنما سيصنعه شباب يمتلك الفكر، ويؤمن بالحوار، ويحوّل الأفكار إلى مبادرات، والمبادرات إلى إنجازات تخدم الوطن. فتمكين الشباب ليس هدفًا مرحليًا، بل استثمار استراتيجي في مستقبل الدولة المصرية، ورسالة تؤكد أن بناء الجمهورية الجديدة يبدأ دائمًا ببناء الإنسان القادر على قيادة الغد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.