محمود كرم يكتب | الإبادة الصامتة في غزة

0

معاناة سكان قطاع غزة اليوم هي مزيج قاسٍ من آثار الحرب المستمرة وأزمات الحياة اليومية التي تفاقمت إلى مستويات غير مسبوقة.ما يمر به المدنيون هناك لا يقتصر على لحظات القصف والدمار، بل يمتد إلى تفاصيل حياتهم الأساسية التي أصبحت شديدة الصعوبة.

تواجه غزة أزمة بيئية خطيرة، نتيجة لتجمع النفايات وتفشي المياه العادمة في مناطق إيواء النازحين، وذلك في ظل الحصار الإسرائيلي القاسي، مما أدى ذلك إلى ظهور نوع جديد من القوارض، وهو الجرذ النرويجي، الذي يمتاز بصفات غريبة وعنيفة، مما يضيف بعدًا مخيفًا لما يُعرف بـ “الحرب الصامتة” التي تفتك بسكان القطاع.

يُعاني القطاع من تدهور بيئي كبير أدى إلى خلق ظروف ملائمة لنمو وتكاثر الفئران والجرذان، مما يزيد من خطر انتشار عدد من الأمراض الخطيرة سواء بشكل مباشر عبر العض أو بشكل غير مباشر من خلال البول والفضلات أو  الطفيليات الناقلة كالبراغيث والقراد، ومن أبرز الأمراض المحتملة الطاعون وفيروس هانتا وداء البريميات (حمى الفئران)  والسالمونيلا، والتولاريميا وذلك وفق ما أكدته وزارة الصحة الفلسطينية. تشير التقارير، أن عشرات الإصابات الناتجة عن عضات القوارض، طالت أطفالا وكبار السن ومرضى مزمنين ونساء، الأمر الذي ينذر بكارثة صحية تهدد الآلاف، في ظل نفاد مخزون اللقاحات الضرورية.

ما يشهده قطاع غزة اليوم هو انهيار بيئي وبيولوجي شامل تم هندسته من خلال الحصار العسكري واستهداف البنية التحتية المدنية، إن غزو القوارض للخيام، ومنع إدخال المبيدات والسموم، يعد جزءًا من استراتيجية تهدف إلى “الإبادة من خلال ظروف الحياة”.

إن العالم يواجه جريمة بيئية كبرى تتطلب تدخلاً دولياً فورياً، إذ ينبغي الضغط على الكيان الصهيوني، لرفع الحصار على القطاع والعمل على الفتح الفوري لمكبات النفايات الرئيسية والسماح للطواقم البلدية بالوصول إليها بأمان والسماح بإدخال مبيدات الحشرات، وسموم القوارض، وكلور معالجة المياه.أيضا توفير الوقود اللأزم لتشغيل محطات ضخ مياه الصرف الصحي وآليات جمع النفايات، بالإضافة إلى استبدال الخيام المهترئة، بملاجئ خشبية أو وحدات متنقلة توفر حماية حرارية وفيزيائية ضد القوارض والحيوانات الضالة.

إن الاستمرار في تجاهل هذه “الآلام الخفية” سيؤدي إلى كارثة وبائية لن تقتصر آثارها على حدود قطاع غزة، بل ستمتد لتشكل تهديداً صحياً إقليمياً لا يمكن السيطرة عليه.

 إن المعاناة داخل الخيام قد تجاوزت طاقة الاحتمال البشري، وأصبحت صرخة استغاثة ضد واقع يفتقر لأدنى معايير الكرامة الإنسانية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.