د. رامي جلال يكتب | حوكمة المؤسسة أم مأسسة الحوكمة؟

0

انشغلتُ بموضوع الحوكمة والإصلاح المؤسسي في مسارات متعددة، أكاديمية وتنفيذية وتشريعية. درست الحوكمة في مرحلة الدكتوراه، واهتممت بملف الإصلاح المؤسسي داخل العمل العام، خاصة خلال تجربتي في وزارة التخطيط، حيث كان سؤال تطوير المؤسسات وتحسين كفاءة الأداء العام حاضرًا بقوة، خصوصًا حين كانت الوزارة تحمل اسم “وزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري”. كما اقتربت تشريعيًا وبحثيًا من إصلاح قطاع الثقافة باعتباره أحد القطاعات التي تحتاج إلى إصلاح مؤسسي وهيكلي وإداري عميق، لا لأنه قطاع منفصل، بل لأنه ملف يتقاطع مع التعليم، والإعلام، والهوية، والتنمية، والصورة القومية لمصر. كما أتيحت لي فرصة دراسة الحوكمة في مدرسة هيرتي في برلين، وهي واحدة من أبرز المؤسسات العالمية في هذا المجال، قم تطورت علاقتنا سويًا إلى أن أصبحت أعمل معهم، ومؤخرًا أتعاون مع أحد الأساتذة هناك في ورقة بحثية تتعلق بموضوع حوكمة الخدمات العامة في الدول النامية.
واقع الأمر الآن، أن الحوكمة لم تعد مجرد مفهوم مرتبط بإدارة الشركات أو بضبط مجالس الإدارات أو تحسين الإفصاح المالي كما شاع في بدايات التداول المؤسسي للمصطلح. لكنها اليوم أحد المداخل الأساسية لفهم الدولة الحديثة وإصلاح مؤسساتها. فالبلدان التي لا تستطيع أن تمضي بسهولة في تطبيقات ديمقراطية كاملة، ولا تستطيع في الوقت نفسه أن تتعايش مع الفوضى أو العشوائية أو الشخصنة، تجد في الحوكمة طريقًا ثالثًا يقوم على القواعد، والشفافية، وتوزيع المسؤوليات، وضبط القرار، وربط السلطة بالمحاسبة، وتحويل العمل المؤسسي من اجتهادات فردية إلى أنماط مستقرة قابلة للاستمرار.
من هذه الخلفية، أتعامل مع الحوكمة لا باعتبارها شعارًا إداريًا أو موضة مؤسسية، بل باعتبارها سؤالًا جوهريًا عن كيفية بناء المؤسسات، وطرق ضبط العلاقة بين السلطة والمسؤولية، وسبل حماية الكفاءات، وتقنيات تحويل الجهد الفردي إلى أثر مستدام. ولذلك فإن النقاش حول الحوكمة يجب ألا يتوقف عند حدود إنشاء أنظمة للمتابعة أو وضع مؤشرات للأداء، بل يجب أن يمتد إلى السؤال الأهم وهن عن مدى مساعدة هذه الأدوات للمؤسسة على إنتاج قيمة حقيقية، مع الحرص ألا تتحول تلك الأدوات إلى غاية في ذاتها؟
تتحدث كثير من المؤسسات اليوم عن الحوكمة باعتبارها مجموعة لوائح أو إجراءات تنظيمية أو أدوات للمتابعة والتقييم. لكن الحقيقة أن الحوكمة، في معناها الأعمق، ليست مجرد قواعد إدارية، بل فلسفة كاملة لإدارة المؤسسة وتوزيع السلطة والمسؤولية والمعرفة داخلها. والفرق كبير بين أن تمتلك المؤسسة بعض أدوات الحوكمة، وبين أن تتحول الحوكمة نفسها إلى جزء من بنيتها وثقافتها وطريقة تفكيرها.
لا تنهار المؤسسات عادة بسبب نقص اللوائح، بل بسبب غياب التوازن بين التنظيم والمعنى، وبين الإدارة والفكرة، بين والانضباط والقدرة على إنتاج القيمة. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مؤسسة هو أن تتحول تدريجيًا من كيان يسعى لتحقيق أهدافه إلى كيان ينشغل بإدارة نفسه أكثر مما ينشغل بإنتاج أثره الحقيقي.
الهدف الأسمى من الحوكمة ليس تحويل المؤسسة إلى ماكينة بيروقراطية ضخمة تتحرك بكفاءة شكلية، وإنما بناء بيئة تسمح بتحقيق العدالة، واستدامة المعرفة، واستقرار القرار، ومنع الشخصنة، وحماية الكفاءات، وضمان أن تستمر المؤسسة حتى مع تغير الأشخاص والقيادات والظروف.
لكل ما سبق فإن الحوكمة الحقيقية لا تقاس فقط بمدى وجود نظام متابعة أو قواعد تنظيمية أو مؤشرات أداء، لكن بقدرة المؤسسة على تحقيق توازن دقيق بين ما يمكن قياسه وما لا يمكن قياسه بسهولة. فبعض أهم عناصر القيمة داخل أي مؤسسة لا تظهر بالكامل في الجداول أو التقارير أو الأرقام. فهناك فرق دائم بين النشاط والأثر، وبين الحركة والإنتاج، وبين الامتثال والإبداع.
في المؤسسات الناضجة، لا تُختزل قيمة الأفراد في المؤشرات الرقمية وحدها، لأن المؤسسات تعرف جيدًا أن بعض أكثر الأشخاص تأثيرًا قد لا يكونون الأكثر ظهورًا في البيانات اليومية. هناك من يملك قدرة على التفكير، أو بناء العلاقات، أو حل الأزمات، أو إنتاج الأفكار، أو خلق التوازنات، أو تقديم رؤية استراتيجية، وهي كلها عناصر لا يمكن اختزالها بسهولة في معادلات حسابية جامدة.
ومن هنا تظهر خطورة ما يمكن تسميته بـ”تضخم الأدوات”. فالأدوات الإدارية التي تُصمم أصلًا لخدمة المؤسسة قد تتحول تدريجيًا إلى غاية في حد ذاتها. يبدأ الناس في التكيف مع ما يتم قياسه، لا مع ما هو مهم فعلًا. ويتحول الاهتمام من تحقيق القيمة إلى تحسين المؤشر، ومن إنتاج الأثر إلى إدارة الصورة الرقمية للأداء.
هذه المشكلة ليست نظرية، بل معروفة عالميًا في الإدارة والسياسات العامة، حتى إن هناك قاعدة شهيرة تُعرف باسم “قانون جودهارت”، وخلاصتها أن أي مؤشر عندما يتحول إلى هدف، يفقد قدرته الحقيقية على القياس. لأن الناس تبدأ في تحسين المؤشر نفسه بدل تحسين الواقع الذي يفترض أن المؤشر يعبر عنه.
ولهذا فإن مأسسة الحوكمة لا تعني فقط بناء أنظمة للمتابعة، بل تعني أيضًا بناء ضمانات تمنع تحوّل هذه الأنظمة إلى أدوات تُعيد تشكيل سلوك المؤسسة بصورة عكسية. فالمؤسسة الذكية لا تكتفي بتطوير أدوات القياس، بل تدرك كذلك حدود هذه الأدوات، وتنتبه إلى ما يمكن أن تخسره إذا بالغت في الاعتماد عليها.
كما أن الحوكمة الحقيقية لا تعني سيطرة الإدارة على كل شيء، وإنما تعني وضوح العلاقة بين السلطة والمسؤولية والمعايير. فالخطر لا يظهر فقط حين تغيب القواعد، بل أحيانًا حين تصبح القواعد نفسها غامضة أو قابلة للتفسير الواسع أو خاضعة للاستخدام الانتقائي. عندها تفقد المؤسسة الثقة الداخلية، حتى لو بدت من الخارج منظمة ومنضبطة.
ولهذا فإن مأسسة الحوكمة تتطلب دائمًا وضوحًا في ثلاثة أمور رئيسية: أولها تحديد ما يتم قياسه فعلًا، حتى لا تختلط مؤشرات النشاط بمؤشرات القيمة. وثانيها تحديد حدود هذا القياس، بحيث لا يتم تحميل الأرقام أكثر مما تحتمل، ولا تحويلها إلى حكم نهائي على الأفراد أو الأداء. وثالثها الاعتراف بأن هناك مساحات واسعة تبقى خارج المؤشرات والأرقام، لأنها تمثل أحيانًا جوهر القيمة داخل المؤسسة.
المؤسسات التي تنجح على المدى الطويل ليست المؤسسات التي تملك أكبر عدد من التقارير أو الجداول أو المؤشرات، لكنها تلك المؤسسات التي تستطيع أن تحافظ على روحها وهي تنظم نفسها. تلك المؤسسات التي تعرف أن التنظيم ضرورة، لكن المعنى أهم. وأن الانضباط مهم، لكن الحيوية لا تقل أهمية. وأن الحوكمة وُجدت لحماية الفكرة، لا لتحويل الفكرة نفسها إلى مجرد إجراءات.
إن مأسسة الحوكمة لا تعني بناء مؤسسة بلا أخطاء، وإنما بناء مؤسسة قادرة على التعلم، وعلى حماية كفاءاتها، وعلى تحقيق العدالة الداخلية، وعلى الفصل بين القيمة الحقيقية والضجيج الظاهري. من المهم أن نتفهم أن المؤسسات لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة الحاضر، لكن بقدرتها على الاحتفاظ بالعقول القادرة على صناعة المستقبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.