د. سماح شوقي تكتب | أكتوبر.. ما لم تقله الكتب
حين نذكر حرب أكتوبر، غالبًا ما تتجه الذاكرة مباشرة إلى مشاهد العبور، وإلى الجنود على الجبهة، وإلى الخطط العسكرية التي صنعت لحظة النصر. وهذه هي الصورة التي حفظها التاريخ، ولا يمكن تجاوزها؛ لكن أكتوبر لم يكن جبهة عسكرية فقط، ولم يكن النصر لحظة عابرة انتهت بانتهاء المعركة.
كان هناك وجه آخر للحرب، عاشه المصريون في بيوتهم، وفي الشوارع، وفي المؤسسات، وفي انتظار الرسائل والأخبار، بل وحتى في تفاصيل الحياة اليومية التي تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن أجواء المعركة.
ومن هنا يمكن أن نقرأ أكتوبر من زاوية مختلفة: ماذا فعلت الحرب بالإنسان المصري؟ وكيف تعامل المجتمع مع ظروفها، وكيف استمرت الحياة في الداخل بينما كان جزء من أبنائه على الجبهة؟
الحرب داخل البيت
كان الراديو في ذلك الوقت نافذة أساسية على ما يجري. يجتمع حوله أفراد الأسرة، يصل الخبر إلى البيت، ويبدأ الانتظار من جديد.
انتظار خبر عن الابن أو الأخ أو الزوج، وانتظار رسالة من الجبهة، وانتظار أن يعود الغائب.
وللرسائل هنا دلالة تتجاوز كونها وسيلة للتواصل؛ فقد كانت تحمل إلى الأسرة صوت المقاتل نفسه. وتكشف شهادات عن حرب أكتوبر عن دور موزعي البريد في نقل خطابات الجنود إلى أسرهم، بينما كانت أخبار الاستشهاد أو الإصابة تصل إلى ذويهم من خلال القوات المسلحة.
تفصيل يبدو بسيطًا، لكنه يكشف جانبًا إنسانيًا من الحرب لا يظهر عادة في خرائط العمليات العسكرية: كان هناك من يحمل الحرب إلى البيت في صورة رسالة.
فالجندي كان على الجبهة، والأسرة كانت في الداخل، وبين الطرفين رسالة تعبر المسافة وتمنح لحظة من الطمأنينة وسط انتظار طويل.
الجبهة الداخلية.. حين يصبح العمل جزءًا من المعركة
لم تكن مساندة الجبهة الداخلية مجرد مشاعر أو شعارات؛ فقد دخلت قطاعات الدولة المختلفة في عملية الاستعداد للحرب ومواجهة آثارها.
وتشير وثائق «مشروعات إعداد الدولة للحرب» التي أُفرج عنها لاحقًا إلى أن الاستعداد لم يكن عسكريًا فقط، وإنما امتد إلى قطاعات مدنية واجتماعية.
ومن اللافت في هذا السياق ما قامت به وزارة الشؤون الاجتماعية آنذاك من إنشاء إدارة عامة لرعاية أسر المجندين، مع إدارات تابعة لها في مديريات الشؤون الاجتماعية بالمحافظات، لمتابعة حصول هذه الأسر على الخدمات والمساعدات، بالتنسيق مع القوات المسلحة.
وهنا تتغير زاوية النظر قليلًا.
فالجندي الذي يقاتل على الجبهة لم يكن وحده في المشهد؛ خلفه أسرة تحتاج إلى من يتابع شؤونها، ويعينها على استمرار حياتها في غياب أحد أفرادها.
وهكذا يصبح مفهوم «الجبهة الداخلية» أكثر تحديدًا؛ فهي ليست فقط جمهورًا يصفق للنصر، وإنما مجتمع يحاول أن يحافظ على تماسك حياته في الوقت الذي يخوض فيه جزء منه الحرب.
حين دخلت الحرب إلى المطبخ
قد تبدو السلع الغذائية بعيدة عن صورة الحرب، لكن في أوقات الأزمات الكبرى تصبح الأشياء اليومية جزءًا من إدارة المعركة.
الأرز، والسكر، والزيت، والدقيق، واللحوم؛ كلها احتياجات عادية في حياة الناس، لكنها تتحول في زمن الحرب إلى قضية تتصل باستقرار المجتمع وقدرته على الاستمرار.
وتشير المواد والوثائق المتعلقة بإدارة التموين خلال حرب أكتوبر إلى إجراءات اتخذتها الدولة لتأمين السلع الأساسية وزيادة المخزونات وتوفير احتياجات المواطنين.
وهنا يصبح للمطبخ المصري موقع داخل حكاية أكتوبر.
فبينما كانت القوات المسلحة تدير معركتها على الجبهة، كانت هناك معركة أخرى في الداخل: أن تستمر الحياة، وأن تتوافر الاحتياجات الأساسية، وألا تتحول ظروف الحرب إلى انهيار في الحياة اليومية.
وهذا جانب يستحق التوقف عنده؛ لأن قدرة المجتمع على الاستمرار في أداء وظائفه اليومية كانت جزءًا من الصمود نفسه.
أسر المجندين.. وجه آخر للمعركة
ومن بين الفئات التي تكشف عن هذا الوجه الإنساني للحرب أسر المجندين.
لم يكن غياب الابن عن البيت غيابًا فرديًا؛ فقد كانت وراء كل مقاتل أسرة تعيش معه الحرب بطريقتها الخاصة.
ولهذا فإن إنشاء جهاز لرعاية أسر المجندين يكشف أن الحرب فرضت على الدولة والمجتمع مسؤوليات تتجاوز الميدان العسكري.
وفي هذه النقطة تحديدًا، يمكن أن نرى أكتوبر من منظور اجتماعي أكثر قربًا من الإنسان: فهناك مقاتل يحمل سلاحه، وفي الجهة الأخرى أم أو زوجة أو أب يتابعون حياتهم في ظل غياب شخص أساسي من الأسرة.
وهذه المسافة بين الجبهة والبيت كانت جزءًا من تجربة الحرب نفسها.
وبعد النصر.. ماذا حدث للذين انتظروا العودة؟
ربما يكون الحديث عن النصر أسهل من الحديث عما جاء بعده.
فالحرب تركت وراءها مدنًا تعرضت لآثار القتال، وأسرًا عاشت سنوات من التهجير، وأناسًا لم يكن طريقهم إلى الحياة الطبيعية قصيرًا.
وكان من الملفات التي شغلت الدولة بعد أكتوبر إعادة المهجرين إلى مدن القناة، والعمل على تعويضهم عما أصابهم من أضرار، ومساعدتهم على العودة إلى بيوتهم وأراضيهم.
وهنا تظهر قيمة أخرى للنصر؛ فالنصر لا يعني فقط أن تتوقف المعركة، وإنما أن تبدأ الحياة في استعادة شكلها.
العودة إلى البيت في حد ذاتها جزء من تاريخ أكتوبر.
فالبيت الذي غادره صاحبه بسبب الحرب ليس مجرد مكان؛ إنه ذاكرة وحياة وعلاقات وأمان، ولذلك فإن استعادته تعني استعادة جزء من الحياة التي قطعتها الحرب.
حين تتكلم الجدران
وللحرب أيضًا ذاكرة تحفظها الأماكن.
في السويس، بقيت بعض المباني شاهدة على ما تعرضت له المدينة خلال سنوات الحرب والقتال، وحملت جدران بعضها آثار القصف والطلقات والشظايا.
وهنا يصبح الجدار وثيقة من نوع آخر.
الكتاب يحكي ما حدث، والشاهد يروي ما رأى، أما الجدار فيحتفظ بأثر ما حدث.
وفي القاهرة نجد صورة مختلفة للمكان؛ أماكن لم تكن ميدانًا للقتال، لكنها ارتبطت بإدارة الحرب ومتابعة عملياتها، ومنها قصر الطاهرة الذي ارتبطت به روايات ووثائق عن استخدام أجزاء منه خلال حرب أكتوبر في المتابعة وإدارة بعض شؤون الحرب.
وبذلك لا تصبح الأماكن مجرد خلفية للأحداث، وإنما تتحول هي نفسها إلى جزء من الذاكرة.
مكان أصابته الحرب فتركَت أثرها على جدرانه، ومكان تغيرت وظيفته في لحظة تاريخية فاصلة؛ وفي الحالتين نحن أمام تاريخ لا تقوله الخريطة العسكرية وحدها.
أكتوبر الذي لم يظهر كله في كتب الحرب
ربما نحتاج، بعد أكثر من نصف قرن، إلى أن نقرأ أكتوبر بأكثر من عين.
أن نقرأه بعين المؤرخ الذي يتابع سير المعركة، وبعين الباحث الاجتماعي الذي يسأل عن المجتمع، وبعين الكاتب الذي يتوقف عند التفاصيل الصغيرة التي تكشف أحيانًا ما لا تقوله العناوين الكبيرة.
من كان ينتظر؟
من كان يكتب الرسائل؟
من كان يحملها؟
من كان يرعى أسرة المقاتل؟
كيف استمرت احتياجات الناس؟
وماذا حدث للذين هُجّروا من بيوتهم؟
وأين بقيت آثار الحرب بعد أن انتهت أصوات المدافع؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من الرواية العسكرية لحرب أكتوبر، وإنما تضيف إليها طبقة أخرى من المعنى.
فالحرب لها تاريخ تحفظه الكتب، ولها تاريخ آخر تحفظه البيوت والرسائل والأماكن والأشياء.
وربما لهذا السبب لا ينبغي أن نرى أكتوبر باعتباره لحظة عسكرية فقط؛ فقد كان تجربة مصرية كاملة، شارك فيها من كان على الجبهة، ومن بقي في البيت، ومن حمل رسالة، ومن رعى أسرة، ومن حافظ على استمرار الحياة، ومن عاد بعد سنوات إلى بيته.
ذلك هو أكتوبر الذي يستحق أن نبحث عنه أيضًا؛ أكتوبر الإنسان، لا أكتوبر المعركة وحدها.