د. عادل عبود يكتب | الكهرباء.. نص وتطبيق

0

أصبحت الكهرباء في السنوات الأخيرة عنصرًا حاكمًا في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن المصري، ليس فقط بوصفها خدمة أساسية، بل باعتبارها مؤشرًا مباشرًا على العلاقة بين المواطن والتشريع. فالقوانين التي تنظم هذا القطاع تمس كل بيت، وكل نشاط، وكل لحظة استقرار داخل المجتمع.
من حيث المبدأ، جاء قانون الكهرباء ليضع إطارًا منضبطًا للاستهلاك، ويحافظ على الشبكة القومية، ويحد من التعديات التي تُكبّد الدولة خسائر كبيرة. هذه الأهداف لا يختلف عليها اثنان، بل تُعد ضرورة في ظل الضغوط الاقتصادية وتزايد الطلب على الطاقة. غير أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في النصوص، وإنما في كيفية تنزيلها على الواقع.
فالمواطن، وهو الطرف الأضعف في هذه المعادلة، يجد نفسه في كثير من الأحيان أمام فواتير مرتفعة دون تفسير واضح، أو تقديرات استهلاك لا تعكس بالضرورة نمط استخدامه الفعلي. ومع غياب الشرح الكافي أو التواصل المباشر، تتحول الفاتورة من مستند محاسبي إلى مصدر دائم للقلق والارتباك.
وفي الوقت ذاته، يُلاحظ أن أدوات الردع والعقاب حاضرة بقوة في التطبيق العملي للقانون، سواء تعلق الأمر بالغرامات أو اتهامات التعدي أو إجراءات قطع الخدمة، بينما تتراجع بنفس القدر آليات الحماية، والتظلم، وإعادة التقييم العادل. هذا الخلل في الميزان يُنتج شعورًا عامًا بأن العلاقة بين المواطن والخدمة قائمة على الاشتباه لا الثقة.
القانون، في جوهره، لا يجب أن يُصاغ أو يُطبّق بعقلية المواجهة، بل بمنطق التنظيم والشراكة. فالمواطن ليس خصمًا للدولة، بل شريكًا في الحفاظ على مواردها، شرط أن يشعر بأن حقوقه مصانة كما تُطالب منه واجبات واضحة ومحددة.
كما أن الحديث المتكرر عن سرقة التيار، على أهميته، لا ينبغي أن يطغى على معالجة الأخطاء الفنية، أو الأعطال، أو الخلل في نظم القياس. فالعدالة لا تتحقق بالصرامة وحدها، وإنما بالدقة، والشفافية، وإتاحة الفرصة الحقيقية للتصحيح قبل العقاب.
إن أحد أبرز التحديات في تطبيق قانون الكهرباء هو ضعف التواصل مع المواطن. فغياب التفسير المبسط للقانون، وندرة الحملات التوعوية، وتعقيد إجراءات الشكوى، كلها عوامل تُسهم في تعميق الفجوة بين النص القانوني والقبول المجتمعي له. والقانون الذي لا يُفهم، يصعب الالتزام به عن قناعة.
المطلوب اليوم ليس تعديلًا شكليًا، بل مراجعة شاملة لآليات التطبيق، تضع في اعتبارها البعد الاجتماعي والاقتصادي للمستهلك، خاصة محدودي الدخل. فاستقرار الخدمة، ووضوح الفاتورة، وسرعة الفصل في الشكاوى، ليست امتيازات، بل حقوق أساسية لا يكتمل أي تنظيم قانوني دونها.
وفي النهاية، تبقى الكهرباء شريانًا لا غنى عنه للحياة الحديثة. وأي تشريع يحكمها ينبغي أن يوازن بدقة بين حماية الدولة وضمان العدالة الاجتماعية. فالقانون العادل هو الذي يرسخ الثقة، ويحوّل الالتزام من عبء مفروض إلى سلوك طوعي نابع من الإحساس بالإنصاف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.